أكرم البخيتي

عندما يصبح البحث عن لقمة العيش سببًا لغياب ممتد ومعاناة لا تنتهي

February 22, 2026

في صباح خريفي هادئ في الخامس من أكتوبر 2022، خرج أكرم محمد حسين داعر البخيتي من منزله في صنعاء، لا يحمل سلاحًا، ولا شعارات. لم يكن يبحث عن مجدٍ أو سلطة، بل عن فرصة عمل بسيطة تساعده على إعالة أسرته التي أنهكها توقف الراتب والحرب الطويلة. أكرم موظف مدني في إدارة شؤون الطلاب بجامعة صنعاء، رجل هادئ، متعلم، لم يتورط في السياسة، ولم يتوقع أن تتحول خطوته للبحث عن فرصة عمل إلى مأساة. 

رافقه صديقه في رحلة قصيرة نحو مأرب، تلك المحافظة التي تقدم بدورها وعدًا بوظيفةٍ إن وجدت، براتبٍ يستطيع أن يسد به رمق أسرته. لكن عند أول نقطة تفتيش في مداخل مأرب، توقف الأمل، وبدأ شيءٌ آخر. ما قيل له هناك كان بسيطًا في كلماته، لكنه ثقيل في آثاره: "أنت من جماعة الحوثيين، أنت من بيت البخيتي، جئت لتتجسّس". 

حتى بعد إنكاره، اقتيد أكرم إلى مقر الأمن السياسي في مأرب التابع للحكومة المعترف بها دوليًّا والمحسوبة على تشكيلات حزب التجمع اليمني للإصلاح. منذ تلك اللحظة، انقطع الاتصال به، ساعات طويلة من القلق، ثم أيامٌ من الصمت، ثم أسابيع بلا أي خبر. زوجته التي كانت تنتظر عودته ككل يوم، لم تسمع صوته. 

بعد شهرين، قالت الأسرة إنهم تلقوا معلومات غير رسمية بأنه فيما يشبه بدرومًا (قبوًا) مظلمًا داخل الأمن السياسي، يشربون ماءً ملوثًا، ولا تُفتح لهم مصادر الماء إلا كل يومين. صديقه الذي اقتيد معه أُفرج عنه لاحقًا، وكان أول من نقل لأسرة أكرم خبرًا عن مكان تواجده. كانت تلك المعلومة الخافتة كأنها شرارة أمل في قلب ليل طويل. 

حاولت الزوجة أن تصل إليه، فكانت تتواصل مع مدير الأمن السياسي، طالبة مجرد صوت. الجواب الذي تلقته كان موجزًا: إنه محتجز بسبب "الاشتباه"، لأن اسمه شبيه بأسماء آخرين. طلبوا منها أن تحضر لتقديم ضمان، لكنها وحدها، في مدينة لا تعرف أن تفتح لها الأبواب، وأسرتها نفسها لم تكن لترافقها خوفًا مما قد يحدث لها أيضًا. 

ثم جاء الاتصال الذي لم تتوقع أن يكون كل ما تبقى لها في هذه الدنيا منه. مكالمة قصيرة، لا تتجاوز الدقيقة، قال فيها بصوتٍ خافت: " أنا بخير… انتبهي للأولاد." كانت كلمات قليلة. كانت رسالة رجل لا يريد أن يلقي على كاهل زوجته حمل الحقيقة الكاملة عما يحيط به. 

اتصل بعدها مرتين فقط في عام 2023، بنفس الأسلوب المقتضب، واليوم انقطع صوته تماما منذ ما يزيد عن العام. وعندما حاولت زوجته التحقق مجددًا، جاءها رد مختلف: "لا يوجد عندنا شخص بهذا الاسم." إنكارٌ صارخ لما كان معترفًا به قبل شهور. 

اليوم، تعيش زوجته وأطفال أكرم الأربعة في حلمٍ مؤلم مُعلق بين الواقع والانتظار. منزل بلا أب، وقلوب معلقة في سؤال واحد لن يهدأ: هل لا يزال حيًا؟ هل يُعامل بكرامة؟ هل سيعود؟ 

هذه ليست مجرد قصة فرد. هي مشهد حي من آثار الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري على الإنسان وأسرته، على حقه في العمل، في الحرية، في الحياة نفسها. وهي دعوة للمسؤولين لتحمل مسؤولياتهم: الكشف عن مصيره، وتمكينه من الاتصال بعائلته، وفتح تحقيق شفاف في ملابسات احتجازه. 

على سلطات الحكومة المعترف بها دوليًّا في مأرب والتشكيلات التابعة لحزب التجمع اليمني للإصلاح في المحافظة، الكشف عن مصير أكرم البخيتي وجميع المختفيين قسريًّا لديها، وإنهاء جريمة الاختفاء القسري التي لا زالت تطال العديد من الضحايا في كافة المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وجبر ضرر الضحايا وعائلاتهم وإنصافهم.