ميناء الضبة

من منصة للتصدير ورفد الاقتصاد الوطني إلى أقبية للاحتجاز

February 11, 2026

على الساحل الشرقي لمدينة المكلا، حيث يلتقي البحر العربي بهضبة حضرموت، يقع ميناء الضبة النفطي. وهي منشأة أُنشئت لتكون بوابة البلاد الاقتصادية وممرًّا لتصدير النفط، وأحد أبرز المرافق السيادية في اليمن. منذ افتتاحه في أوائل تسعينيات القرن الماضي، ظل الميناء مرتبطًا بفكرة الاقتصاد الوطني، باعتباره منشأة مدنية يفترض أن تتمتع بضمانات خاصة، لا أن يتحول إلى فضاء للخوف أو الحرمان من الحرية.

غير أن هذا المكان، الذي صُمم لاستقبال ناقلات النفط العملاقة وتخزين ملايين البراميل، تحوّل إلى أقبية احتجاز غير رسمية، جرى فيها احتجاز مدنيين خارج إطار القانون، وتعريضهم للاختفاء القسري وسوء المعاملة، بعيدًا عن أي رقابة قضائية أو مسار قانوني واضح، وبإشراف مباشر من قوات التحالف بقيادة السعودية والإمارات.

يمتد ميناء الضبة على مساحة واسعة تحيط بها مجمعات عسكرية وأمنية أُنشئت لحماية المنشآت النفطية. ومع التحولات الأمنية التي شهدها ساحل حضرموت منذ عام 2016، فُرضت سيطرة مشددة على الميناء ومحيطه، وأُغلقت مساحات واسعة منه أمام المدنيين. في تلك المساحات المعزولة، وبعيدًا عن أعين القضاء.

 تشير إفادات موثقة جمعتها مواطنة إلى استخدام مرافق تابعة للمجمعات العسكرية المحيطة بحرم الميناء كمراكز احتجاز غير رسمية، لم تُنشأ بقرارات قانونية معلنة، ولم تخضع لأي إشراف قضائي.

وقد وثقت مواطنة لحقوق الإنسان احتجاز ما لا يقل عن 11 ضحية في مركز الاحتجاز غير الرسمي في (الضبة)، من بينهم 5 ضحايا تعرضوا لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، كما وثقت مواطنة 6 حالات اختفاء قسري لفترات ممتدة. 

بحسب ما وثقته مواطنة، لم يكن المحتجزون في هذه المراكز موقوفين بموجب أوامر قضائية، ولم يُعرضوا على النيابة العامة، ولم يُمكَّنوا من التواصل مع ذويهم أو توكيل محامين. بعضهم اختفى لأسابيع أو أشهر، دون أن تعلم أسرهم مكان وجودهم، في نمط واضح من الاختفاء القسري. 

أحد الضحايا الذين قابلهم فريق مواطنة روى تجربته من داخل هذا المكان. قال إنه احتُجز في زنزانة انفرادية داخل معسكر الضبة لمدة 48 يومًا، قضى معظمها في عزلة تامة عن العالم الخارجي. وصف الزنزانة بأنها ضيقة، لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار في ثلاثة، تضم إضاءة وتهوية وحمامًا صغيرًا بالكاد يُستخدم. 

بدأ التحقيق معه بعد يوم واحد من احتجازه، واستمرت جلسات التحقيق لساعات طويلة. خلال تلك الجلسات، تعرض للضرب المتكرر، والصعق بالكهرباء، والتهديد المستمر. قال إن الألم لم يكن جسديًّا فقط، بل نفسيًّا أيضًا، إذ كان الهدف كسر إرادته وانتزاع اعترافات حول وقائع لم يكن يدرك سبب اتهامه بها. يتذكر كيف عُلّق بالسلاسل من يديه وقدميه وبقي معلقًا لفترات طويلة، قبل أن يُترك مكبلاً داخل الزنزانة لأيام متواصلة، حتى أثناء ذهابه لقضاء حاجته. يقول إن الزمن داخل الزنزانة فقد معناه، وإن الخوف لم يكن من الضرب وحده، بل من المجهول، ومن فكرة أن لا أحد في الخارج يعلم بوجوده.

وفي شهادة أخرى، وثقت مواطنة رواية والد شاب تعرض للاحتجاز في الموقع ذاته. قال الأب إن ابنه اختفى فجأة دون أي إخطار رسمي، وإن الأسرة لم تعرف مكانه لشهرين كاملين. خلال تلك الفترة، عاش أفراد الأسرة حالة من القلق المستمر، دون أي معلومات عن مصير ابنهم. وعندما علموا لاحقًا بمكان احتجازه، كان الابن قد مرّ بتجربة قاسية داخل المعسكر.

بحسب ما رواه الأب نقلاً عن ابنه، احتُجز الأخير في زنزانة انفرادية داخل كرفان صغير، ثم اقتيد مرارًا إلى غرف تحقيق داخل المعسكر. خلال جلسات التحقيق، تعرض للضرب بالأيدي والأرجل، والجلد بالكرباج، والإيهام بالغرق، والصعق الكهربائي، إلى جانب تهديدات بالقتل إن لم يعترف بما يُنسب إليه. وأفاد الأب بأن ابنه أُجبر على التوقيع والبصم على أوراق لم يُسمح له بقراءتها، وأن آثار التعذيب ظلت واضحة على جسده أيامًا طويلة بعد ذلك. بالنسبة للأب، لم تكن الجروح الجسدية وحدها هي المؤلمة، بل الإحساس بأن ابنه كان محتجزًا خارج أي حماية قانونية، وبعيدًا عن أي جهة يمكن اللجوء إليها.

تؤكد مواطنة لحقوق الإنسان أن ما وثقته في محيط ميناء الضبة يمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون اليمني. فالميناء منشأة مدنية اقتصادية، وتحويل أي جزء منه أو من محيطه إلى مركز احتجاز يُعد مخالفة للقوانين والتشريعات النافذة. كما أن احتجاز المدنيين داخل منشآت عسكرية أو أمنية غير معترف بها قانونًا، وحرمانهم من الإشراف القضائي، يشكل خرقًا واضحًا للضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، ويضع المحتجزين في دائرة الخطر المستمر.

تؤكد مواطنة لحقوق الإنسان أن هذه الوقائع تستوجب تحقيقًا مستقلاً وجادًا، وضمان مساءلة المسؤولين عنها، وجبر ضرر الضحايا، بما يضمن عدم تكرار هذه الانتهاكات، ويحفظ للمنشآت المدنية طبيعتها، وللإنسان كرامته.