إطلالة على عالم ترامب من نافذة يمنية

يستعرض عبدالرشيد الفقيه تفاصيل رحلته في جولة مناصرة و ماهي أبرز أهدافها ، و كيف تجاهل المجتمع الدولي مأساة اليمنيين ، كما يسلط الضوء على سلوك الإدارة الأميركية و لا مبالاتها مع الإنتهاكات المروعة لحلفائها في اليمن (السعودية و الإمارات).

February 27, 2018
عبد الرشيد الفقيه
عبد الرشيد الفقيه

الخميس – (25 يناير 2018)

عبدالرشيد الفقيه

المدير التنفيذي لمنظمة مواطنة لحقوق الإنسان

alfaqihr@mwatana.org

twitter: @ralfaqih

في  مطلع العام  2017 انا مع زميلتي وزوجتي رضيه المتوكل  غادرنا اليمن ، في جولة مناصرة خارجية كممثلين لمنظمة مواطنة لحقوق الإنسان، شملت جولتنا أمريكا وبريطانيا وسويسرا وعدداً من الدول الأوروبية.  كان في اعتقادنا حينها أن ضعف أو انعدام اهتمام العالم بالمأساة الإنسانية في اليمن يعود لغياب أو نقص المعلومات حول ما تفعله هذه الحرب بالمدنيين اليمنيين. لكن هذا الإعتقاد تغير تدريجياً خلال جولتنا التي عقدنا فيها عشرات الإجتماعات في عدة عواصم ومدن مع ممثلي حكومات، وصناع قرار، ومشرعين، مستندين إلى تقارير وأبحاث ميدانية استقصائية عمل عليها فريقنا المنتشر في مختلف مناطق اليمن، وبمساندة من خبراء في القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وثقت تلك التقارير إنتهاكات كافة أطراف النزاع .

كان هدفنا من جولة المناصرة تلك هو الإسهام مع مجتمع العمل الإنساني في خلق أثر إيجابي يخفف من آثار الحرب على المدنيين، ولفت الإنتباه لمأساة ملايين المدنيين اليمنيين الذين علقوا وسط صراع أعمى وبلا أفق، تخوضه أطراف تتعامل مع اليمن كبلد بلا سكان، ولهذا يواصلون المقامرة في مباراة صفرية، فقط وحصراً أحرزت أهداف واضحة في شباك المدنيين اليمنيين وحياتهم وصنعت واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في العالم ، فيما أصبحت الجماعات المسلحة أقوى ، واليمن أضعف.

دفعت الحرب الوضع الإنساني في اليمن إلى وضع أسوأ من أكثر التوقعات والتحذيرات قتامة، لتصبح اليمن واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية على مستوى العالم، كنتيجة حتمية ومباشرة للسياسات والأساليب والأفعال المتعمدة من قبل أطراف الصراع.

في 17 نوفمبر 2017 أصدر مديرو منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) وبرنامج الاغذية العالمي  بيانمشترك قالوا فيه : “هناك أكثر من 20 مليون شخص، بمن فيهم أكثر من 11 مليون طفل، بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة. وهناك ما لا يقل عن 14.8 مليون شخص لا يحصلون على الرعاية الصحية الأساسية، وقد أسفر تفشي الكوليرا عن أكثر من 900 ألف حالة مشتبه فيها”.

في إحاطة قدمها أمام مجلس الأمن الدولي في 18 أغسطس 2017 قال ستيفن أوبراين وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية “هناك نحو 17 مليون شخص لا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم القادمة، ويعتمد 7 ملايين شخص كلياً على المساعدات الغذائية. كما يهدد سوء التغذية الحاد الوخيم حياة نحو 400 ألف طفل. ومع انخفاض الإمدادات، ترتفع أسعار المواد الغذائية بشكل كبير، مما يعرض آلافاً آخرين للخطر”.

وأضاف أوبراين قائلاً “ يواجه ملايين الأشخاص في اليمن مأساة ثلاثية: شبح المجاعة، وأكبر تفش للكوليرا في عام واحد في العالم، والحرمان اليومي والظلم بسبب صراع وحشي يسمح العالم باستمراره فيما كان من الممكن منعه وتجنبه ومعالجته. إن المأساة الإنسانية متعمدة ووحشية، إنها سياسية وبالإرادة والشجاعة غير المتوفرتين الآن، يمكن وقفها.”

في 20 ديسمبر 2017 حذرت منظمة أوكسفام “من أن اليمن تقترب أكثر من المجاعة بعد 1000 يوم من الحرب الوحشية[1] التي تفاقمت بسبب الحصار المفروض على موانئها الشمالية الرئيسة التي تحرمهم من الغذاء والوقود والأدوية”.

وأضاف مارك غولدرينغ، الرئيس التنفيذي لمنظمة أوكسفام البريطانية قائلا: “لمدة 1000 يوم، تم قصف اليمن بكميات ضخمة من الأسلحة الحديثة المتطورة، وعلاوة على ذلك نشهد الآن حصارا من القرون الوسطى حيث تُستخدم المجاعة الجماعية كسلاح من أسلحة الحرب. إن قطع الأغذية والوقود والأدوية الحيوية عن السكان ليس له اي مبرر ولا ينبغي التساهل بذلك أبدا. إنه تكتيك يخلو من أي إحساس بالمروءة، وأي إحساس بالأخلاق وأي إحساس بالإنسانية“.

شهدت اليمن منذ مطلع العام 2014 حروباً صغيرة بين جماعة الحوثي من جهة، وجماعات قبلية وسياسية وقوات حكومية من جهة أخرى، دخلت مستوى جديداً عند سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر 2014 ، لتدخل اليمن حرباً أهلية واسعة كانت جماعة الحوثي طرفاً ثابتاً فيها يقابلها جماعات مسلحة وقوات حكومية موالية للرئيس هادي.

أعلنت السعودية في 26 مارس 2015 عملية عسكرية واسعة لتحالف من تسع دول لمساندة حكومة الرئيس هادي ضد جماعة الحوثي وحليفها الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح الذي قتل على يد الحوثيين مطلع ديسمبر 2017 بعد إعلانه إنهاء تحالفه مع الجماعة .

خلال ما يزيد عن ثلاث سنوات من الحرب كانت اليمن ساحة مفتوحة لإنتهاكات مروعة وطوفان من الدم والمآسي والدمار ، الهجمات الجوية العشوائية ، الهجمات الأرضية ، وقائع الإختفاء القسري والإعتقالات والتعذيب ، الإعدامات الميدانية ، تجنيد الأطفال وإستخدامهم ، وإستهداف المدارس والمستشفيات ، وفرض قيود على المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية وحرية التنقل ، والألغام ، وتقويض الحريات الصحفية ، تشاركت فيها كافة أطراف الحرب ، وعلى رأسها التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات ، وجماعة الحوثي المسلحة.

في إجتماع مصغر مع عدد من المنظمات خصص للنقاش حول اليمن ودور الإدارة الأمريكية فيها، أسهب دبلوماسي أمريكي بالحديث عن المساعدات الإنسانية التي تقدمها حكومة بلاده لليمن، قلت له حين جاء دوري للحديث:

“المأساة الإنسانية في اليمن ليست ناتجة عن كارثة طبيعية، ولسنا هنا في اجتماع مع مسؤول منظمة إغاثية، المأساة اليمنية ناتجة عن أفعال وخروقات وإنتهاكات تمارسها أطراف الحرب وعلى رأسها حلفاء إدارتك (السعودية والإمارات)، وهي أفعال مستمرة كل يوم تستطيع حكومتك لعب دور أهم بكثير من تقديم المساعدات على أهمية هذا النوع من الدعم، بالضغط على حلفائها من أجل وقف خروقات القانون الدولي الإنساني ، وبالتالي الحد من هذه المآساة ، دولتك عضو دائم في مجلس الأمن الدولي ، فاعل أساسي ضمن المجتمع الدولي بمختلف مؤسساته ، وعليها هذه المسؤولية تجاه مختلف أزمات العالم ومنها اليمن”.

خلال عشرات الإجتماعات في رحلتنا أستمر تذكيرنا للمسؤولين في الإدارة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا بما كنا نتصوره بديهيات ، قواعد القانون الدولي الإنساني، حق الضحايا المدنيين بالتحقيق، بالإعتراف، بالحقيقة، بحق المدنيين بوصول المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية والإستهلاكية التجارية، بالحق بوجود منافذ للتنقل والهروب من جحيم الحرب، بأن كل الضحايا المدنيين على وجه الكرة الأرضية ينبغي التعامل معهم بمعايير ثابتة ومساندتهم، ومواجهة المنتهكين والضغط عليهم بغض النظر عن هوياتهم وثرواتهم وحجم المصالح معهم.

تصدرت الدبلوماسية الأمريكية المنخرطة ضمن الآليات الدولية غير مرة، الأصوات المنددة بإنتهاكات نظام الأسد وأزمات أخرى، وهذا أمر جيد للغاية ومهم، غير أنها تعاملت بلا مبالاة مع ذات الأنماط من الإنتهاكات المروعة لحلفائها في اليمن، بل وأبعد من ذلك عمد ممثلوها من نيويورك إلى جنيف على العمل كحارس يستميت بفجاجة للحيلولة دون مساءلة الحلفاء المدللين (السعودية والإمارات). تقود هذه الدبلوماسية جهود تشكيل لجنة تحقيق دولية في سوريا وليبيا وأزمات أخرى، وشكلت سدا لمنع  جهود تشكيل لجنة تحقيق دولية في اليمن وأي مساع تهدف إلى أي شكل من أشكال المساءلة فيها.

بتتبع سلوك الإدارة الأمريكية بمعية بريطانيا وفرنسا مع الأزمات الإنسانية, تبرز فكرة التمييز بين الضحايا والمنتهكين، فهناك أنظمة منتهكة يجب ملاحقتها بمختلف الوسائل والآليات ، وهناك أنظمة ترتكب ذات الإنتهاكات تنعم بالحصانة والحماية من الكشف عن الحقيقة والوصول إلى العدالة  .

بفعل ذلك تتحول الآليات الدولية التي يفترض بها العمل على حماية حقوق الإنسان والعدالة والسلام وعلى رأسها الأمم المتحدة إلى كيانات وآليات معطوبة، يستخدمها الأقوياء لتكريس هيمنتهم وحماية مصالحهم وحلفائهم، وهذا ما تثيره أسئلة الضحايا في مجتمعاتنا عن جدوى هذه الآليات وطبيعة وظيفتها وبالتالي أثرها ، وأيضا ما مسؤولية حركة حقوق الإنسان والعاملين من أجل العدالة والتعايش والسلام، وكليات القانون وخبرائه، وهنا يأتي دور حركة حقوق الإنسان العالمية ومناصريها للبحث عن إجابات جدية  حول هذه الأسئلة التي يظل يرددها ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وعموم الناس في بلداننا .

منذ نحو ثلاث سنوات تقصف اليمن بكميات ضخمة من الأسلحة الحديثة، مصدر تلك الأسلحة  -كما وثقتها منظمة مواطنة لحقوق الإنسان، وهيومن  رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية –  هو الولايات المتحدة وبريطانيا والبرازيل وإيطاليا ، قدمت المنظمات من خلال تقاريرها معلومات دقيقة عن الإنتهاكات المروعة التي ترتكب في اليمن وعن أثر تلك الإنتهاكات والخروقات على حياة مئات الآلاف من المدنيين.

غير أن محركي دفة المجتمع الدولي وعلى رأسهم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، قرروا مواصلة تجاهلهم للمأساة الإنسانية في اليمن، وإبرام المزيد من صفقات التسليح وتقديم حسابات المصالح على الإلتزام تجاه حماية حقوق الإنسان والعدالة والسلام، والتصدي لكل أشكال المساءلة، ومنها جهود تشكيل لجنة تحقيق دولية، ومطالب إدراج تحالف السعودية في قائمة العار التي يصدرها الأمين العام للأمم المتحدة سنوياً والخاصة بإنتهاكات حقوق الطفل في النزاعات المسلحة .

في صيغ مخففة نتيجة ضغوط غربية واجهت المطالب الحقوقية، وبعد ثلاث سنوات من الجهود والجهود المضادة، أقر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في دورته السادسة والثلاثين في 29 سبتمبر 2017، تكليف المفوض السامي بإنشاء فريق من الخبراء للقيام بتحقيقات شاملة في مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان من قبل كافة الأطراف ورفع تقرير إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان بالتزامن مع دورة المجلس التي ستنعقد في سبتمبر 2018.  في 6 أكتوبر 2017 ومع إستمرار الإنتهاكات الجسيمة التي طالت أطفال اليمن ومع إستمرار المطالب الحقوقية أدرجت الأمم المتحدة كافة أطراف النزاع في اليمن في قائمة العار التي تصدرها الأمم المتحدة سنوياً تشمل مرتكبي الإنتهاكات الستة الجسيمة ضد الأطفال ، وعلى رأس تلك الأطراف التحالف الذي تقوده السعودية وجماعة أنصار الله المسلحة ( الحوثيين ) وجماعات المقاومة الموالية للرئيس هادي وتنظيم القاعدة .

في ظل تنعمها بالتدليل والحصانة استمرت السعودية بمباشرة خروقات تقوض حياة ملايين المدنيين، الغارات العمياء التي قتلت وجرحت آلاف المدنيين، وأدت إلى تدمير البنية التحتية، إغلاق المنافذ مثل مطار صنعاء وميناء الحديدة، وفرض المزيد من القيود على المساعدات الإنسانية والسلع التجارية والإستهلاكية .

على نحو متكرر دعت منظمات حقوق الإنسان، ومنها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، ومنظمة مواطنة لحقوق الإنسان إلى فرض حظر شامل على عمليات نقل الأسلحة  إلى الدول والأطراف المنخرطة في حرب اليمن، وعلى رأسها السعودية والإمارات بسبب إستخدام تلك الأسلحة في إرتكاب جرائم حرب وإنتهاكات خطيرة أخرى، ورغم الإنتهاكات المتواصلة منذ اللحظة الأولى لإنطلاق العمليات الحربية للتحالف الذي تقودانه السعودية والإمارات ، إلا أن تدفق الأسلحة لم يتوقف، وأُبرمت صفقات جديدة مع السعودية، كلما سمع المدنيون اليمنيون أنباء تلك الصفقات تحسسوا رؤوسهم وأطرافهم.

يخدم أداء إدارة ترامب بفاعلية جماعات راديكالية في مجتمعاتنا بلونين، الأول جماعات الجهاد السني على شاكلة القاعدة وداعش وأنصار الشريعة، والثاني جماعات الجهاد الشيعي الموالية لإيران مثل حزب الله وجماعة الحوثيين والحشد الشعبي وما إليها من جماعات وتشكيلات.

لا تجتهد الجماعات الراديكالية في مجتمعاتنا في إستدعاء وإستخدام صورتها االنمطيه عن أمريكا ، بل تكتفي الآن بأداء الإدارة الأمريكية التي ترسم بسلوكها وأدوارها تجاه أزمات منطقة الشرق الأوسط والعالم  صورة سيئة جلية. وفي إطار أوسع لا تختلف الصورة التي تُعرف بها إدارة ترامب أمريكا وتقدمها بها للعالم من خلال سلوكها وسياساتها عن صور أنظمة كوريا الشمالية وإيران والسعودية وغيرها من الأنظمة سيئة السلوك والسمعة.

على هامش إجتماعاتنا بالمسؤولين الأمريكيين في نيويورك وواشنطن كنا نتناقش كثيرا حول تجربة الأمة الأمريكية، وتحضر أسئلة حول طبيعة النظام الأمريكي وعوامل قوته وضعفه، أدواره العالمية، مؤسسية أجهزة الدولة وحقيقة التزاماتها تجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحدود صلاحيات الرئيس، وحدود الثابت من القيم والمتغير من السياسات فيها.

كل يوم في عمر إدارة ترامب يقدم إجابات صادمة لعلامات الإستفهام هذه، إجابات تقوض صورة أمريكا، أو ما رسم في أذهان الناس عنها وعن دورها في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والعدالة. أضاء توماس فريدمان جانباً من علامات الإستفهام تلك في مقالتهإمارة ترامب الأمريكية المتحدة “ التي نشرتها في 31 مايو 2017 صحيفة نيويورك تايمز.

كمدافع شرق أوسطي عن حقوق الإنسان ومهتم بالتحولات والسياسات التي تؤثر على قضايا السلام وحقوق الإنسان والعدالة، ومؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والسلام والإنفتاح، أتصور أن بيوت الخبرة، مراكز الدراسات والبحوث، وكليات العلوم الإنسانية، وصناع السياسات الأمريكية، ستخلص جميعها عند تتبع سياسات وسلوك إدارة ترامب تجاه مختلف القضايا حول العالم، إلى أن هذه الإدارة تهديد فعلي للأمن القومي الأمريكي، فهي أكبر مفاعلات إنتاج الكراهية وتكريس الصورة المشيطنة في ذهنية المجتمعات والشعوب التي تساهم هذه الإدارة بفاعلية في مفاقمة أزماتها ومآسيها، وتعزز الإتصال والتحالف بأنظمة بلدان ضداً على تطلعات ومصالح شعوبها.

وحدت إدارة ترامب، أو تكاد تصورات النخب المدنية الليبرالية، والجماعات الراديكالية، وعامة الناس حول أدوار أمريكا السلبية في مختلف الأزمات في الشرق الأوسط والعالم، برعايتها لأنظمة قمعية وفاسدة وصلت ذروتها في القمع وإنتهاكات حقوق الإنسان ومغامراتها التي تدفع لمزيد من الحروب واللا إستقرار في المنطقة والعالم، وتغذية الكراهية كبيئة تستثمر فيها الجماعات المتطرفة.

مع تسلم ترامب للرئاسة في أمريكا مفتتحاً عهداً جديداً من تدليل هذه الأنظمة القمعية والفاسدة وحراسة إنتهاكاتها، والتواطؤ معها في إستباحة مواطنيها والجماعات المدنية التي تسعى من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة وسيادة القانون والسلام والإنفتاح .

خلال ما يقارب العام من رئاسة ترامب كان لليمنيين وبلدهم نصيب كبير من شظايا توجهاته المغامرة. كانت اليمن هي الجدار القصير الذي حاول من خلاله ترامب تحقيق نجاح شكلي لوعوده الإنتخابية، في إطار مكافحة الإرهاب أفتتح ترامب عهده مطلع العام 2017 بعملية إنزال عسكري في منطقة يكلا وسط اليمن.  دار الكثير من الجدل حول أهدافها ونتائجها وخسائرها.

وثقت مواطنة لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 32 مدني بينهم 16 طفلا و 6 نساء، وجرح 10 آخرين بينهم 5 أطفال في 8  هجمات طائرات بدون طيار وعمليات إنزال عسكرية أمريكية خلال العام 2017، يضافون إلى العشرات من الضحايا المدنيين للعمليات العسكرية الأمريكية في اليمن والذين لا يزالون في انتظار العدالة منذ سنوات

من بين مواطني ست دول كان اليمنيون أحد أهداف قرار ترامب الخاص بحظر السفر، والذي أنتقل التنازع بشأنه بين جماعات حقوق الإنسان الأمريكية وإدارة ترامب إلى أروقة القضاء. خلق القرار منذ اللحظة الأولى لإعلانه آثاراً سلبية على نشطاء المجتمع المدني والطلاب والمغتربين اليمنيين وأسرهم بدرجة رئيسية، كفئات أصطنع القرار جدار عزل حقيقي بينها وبين المجتمع الأمريكي ومؤسساته.

كانت اليمن أيضا إحدى الساحات الأبرز لإعلانات تصعيد إدارة ترامب تجاه إيران. تصاعدت وتيرة هجمات التحالف الذي تقوده السعودية مستثمرة غطاء التصعيد مع إيران كمبرر تستخدمه لصرف الأنظار عن إنتهاكاتها المروعة في اليمن. وخلال العام 2017 فقط وثقت مواطنة لحقوق الإنسان (  88 ) هجوماً لمقاتلات تحالف السعودية قتل فيها ما لا يقل عن (  356 ) مدني بينهم 159 طفل و 45 امرأة، وجرح ما لا يقل عن (  288 ) مدني بينهم 107 طفل و 58 امرأة ، هاجمت الأعيان المدنية والبنية التحتية الضعيفة، بما فيها المدارس والمستشفيات، ، بالإضافة للقيود المتعنتة على السلع التجارية الأساسية والمساعدات الإنسانية. كما وثقت مواطنة لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية إستخدام قنابل أمريكية الصنع في هجمات التحالف التي طالت مدنيين وأعيان مدنية ، منازل ومستشفيات ومؤسسات تعليمية.

تابع اليمنيون أخبار زيارة ترامب للرياض وأنباء صفقات الأسلحة الضخمة بقلق، فالسعودية أحد أكبر مستوردي الأسلحة في العالم، فيما أجساد اليمنيين وقراهم ومدنهم ومنازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم وآثارهم وطرقهم وأسواقهم وكل أماكن أنشطة حياتهم اليومية هي أحد أكبر مستقبلي نيران وبارود تلك الأسلحة في العالم، صنعت من بلادهم مأساة إنسانية هي الأكبر في العالم اليوم.

حسب بيانات المنظمات الإنسانية الدولية والأممية العاملة في اليمن، تُضعف هذه الأسلحة اليمن واليمنيين كل يوم وتقوي الجماعات المسلحة التي تزعم محاربتها بينما تخدم بخروقاتها المتكررة تلك الجماعات وادعاءاتها وتبريراتها وخطابها العنفي .

نشرت وكالة أسوشتد برس في 23 يونيو 2017 تحقيقاً صحفياً كشف عن العشرات من وقائع التعذيب والإختفاء القسري والإعتقال التعسفي في شبكة سجون سرية أنشأتها ومولتها الإمارات حليف واشنطن في مكافحة الإرهاب. أكدت الوكالة في تحقيقها أن قوات تابعة للولايات المتحدة تشارك في التحقيقات مع هؤلاء المعتقلين، عقب ما نشرته الوكالة الأمريكية طالبت منظمة العفو الدولية بالتحقيق فوراً في المزاعم القائلة بأن قوات الولايات المتحدة تشارك في عمليات إستجواب المعتقلين، أو تتلقى معلومات يمكن أن تكون قد أنتزعت تحت التعذيب. فهذا يمكن أن يضع الولايات المتحدة في موضع المتواطئ والشريك في هذه الجرائم بموجب القانون الدولي.

في 25 أكتوبر 2017 أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية في لائحة عقوبات تتضمن الشخصيات والكيانات المتهمة بدعم وتمويل الإرهاب عادل عبده فارع ( أبو العباس ) أحد قادة الجماعات المسلحة المناوئة للحوثيين في تعز وسط اليمن، والذي تدعمه وتموله الإمارات ضمن دعمها لعدد من الجماعات السنية المسلحة المتطرفة في عدن وتعز ومناطق أخرى  في إطار الحرب مع جماعة الحوثيين المسلحة. باشرت تلك الجماعات العشرات من وقائع الإعدام الميداني لمواطنيين مدنيين بسبب أفكارهم أو مواقفهم، واستثمرت دعم الإمارات والتحالف بالمال والسلاح لتجذير حضورها في مختلف المناطق التي تسيطر عليها حكومة الرئيس هادي وإيجاد بيئة آمنة لها، تمثل هذه الجماعات ألغاما ومفخخات تهدد مستقبل اليمن والمنطقة والعالم .

في جميع اللقاءات التي عقدناها مع منظمات ومؤسسات وبيوت خبرة وجامعات وكتاب رأي وخبراء ومسؤولين داخل أمريكا وخارجها، كانت أصابع الجميع تشير إلى إدارة ترامب كمتهم بتكبيل وتعطيل آليات العدالة والسلام وحقوق الإنسان سواء المتعلقة بأزمة اليمن أو أزمات أخرى، وهو ما لمسناه بشكل مباشر في اجتماعاتنا مع مسؤولي الإدارة الأمريكية ودأبهم في مواجهة جهود حركة حقوق الإنسان، وهي جهود ظلت تتسول خطوات صغيرة لصالح المدنيين اليمنيين من مسؤولين يجلسون في مكاتب حديثة في مدن العالم الأول، يرتدون ملابس أنيقة ويتحدثون ويعملون بمحددات منطق وأفكار وقيم أمراء الجماعات المتطرفة المسلحة وتجار الأسلحة في السوق السوداء، وينتصرون للتصور البدائي للعالم المتحلل من التراكم الإنساني الخلاق المتمثل في منظومة قيم حقوق الإنسان وعالميتها التي تنشد عالم تسوده العدالة والتعايش والحقوق .

يزعم ترامب وهو يرسم ملامح عالمه أنه يمثل الأمة الأمريكية وقيمها وتطلعاتها، سيتكفل المستقبل بإثبات ذلك أو نفيه. كما سيتكفل بالإجابة عن تساؤلات مُلحة كثيرة تفرض نفسها على إنسان مثلي أختار العمل من أجل حقوق الإنسان والعدالة والسلام وقيم التعايش والإنفتاح، يراقب العالم من نافذة اليمن، إحدى البلدان الفقيرة التي لا يحبها ترامب ويوصمها “بالقذرة”. مثلي كثيرون في اليمن والشرق الأوسط تؤرقهم أسئلة الحضارة، السلام، القانون، الديمقراطية، ومصير الإنسان، في حين تتعامل إدارات العالم الأول كإدارة ترامب مع إنسان مجتمعاتنا كقيمة ناقصة، ومع دول منطقتنا وأزماتها الدامية كلعبة إلكترونية نتائج عملياتها مجرد معادلات رقمية لا تعني شيئاً للاعيبها.

نشرت في مجلة هارفرد http://harvardhrj.com/an-overview-on-the-world-of-trump-a-yemeni-perspec…