
إيهاب فيصل… سنوات الغياب التي لا تنتهي

في الساعات الأولى من فجر الأربعاء 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، داهمت قوة عسكرية تابعة لـ “لواء النقل" مبنى " فندق الدار" في مديرية دار سعد بمحافظة عدن. كان الجنود يرتدون زيًّا عسكريًّا ويستقلون عددًا من العربات التابعة للواء الذي كان يتبع آنذاك للحكومة المعترف بها دوليًّا. خلال المداهمة، احتُجز إيهاب فيصل علي نصر ردمان، شاب في الرابعة والعشرين من عمره يعمل عاملًا يوميًّا، واقتيد إلى معسكر اللواء في دار سعد.
في المعسكر، تعرّض إيهاب لسوء معاملة وتعذيب شديد، وفقًا لإفادات أسرته، شمل الضرب على اليدين والقدمين، وحروقًا في مواضع متفرقة من جسده، بما في ذلك مناطق حساسة. وبعد نحو شهرين، سُمح لأسرته بزيارته. كانت تلك الزيارة القصيرة الدليل الأخير على أنه لا يزال على قيد الحياة. لاحقًا، نُقل من سجن دار سعد إلى مكان مجهول، ومنذ ذلك الحين أنكرت الجهات الأمنية وجوده لديها، وظل مصيره مجهولًا حتى اليوم.
يروي والده، فيصل ردمان، أن معسكر دار سعد كان يتبع الحكومة المعترف بها دوليًّا، وأنه مع تصاعد المواجهات المسلحة بين تلك القوات وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، خشي القائمون على المعسكر من تعرضه للقصف. وبحسب ما وصل للأسرة، أُخرج إيهاب من زنزانته ووُضع داخل دبابة متمركزة قرب المعسكر، في خطوة اعتبرها والده محاولة للتخلص منه حال استهداف الموقع بضربة جوية. لم يقع القصف، لكن إيهاب نُقل بعد ذلك إلى جهة غير معلومة، ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره.
بدأت الأسرة رحلة بحث شاقة بين السجون الرسمية وغير الرسمية. قصدوا سجن دار سعد، ومعسكر النقل، وبئر أحمد، وغيرها من أماكن الاحتجاز، لكن جميع الجهات أنكرت احتجازه لديها. في إحدى المرات، أجرى مدير البحث الجنائي في المحافظة اتصالًا أمام والده بمسؤول أمني في دار سعد، فأكد الأخير أن إيهاب موجود لديهم، قبل أن يعود بعد دقائق ويتراجع مدعيًا أنه أخطأ في الاسم. كان الأمل يولد للحظات، ثم يُسحب فجأة.
رفعت الأسرة مذكرات وشكاوى إلى مدير أمن عدن الأسبق، وإلى النائب العام، الذي أحال الشكوى إلى رئيس نيابة الاستئناف، ومنها إلى النيابة العسكرية. إلا أن أيًّا من تلك الجهات لم يتخذ إجراءً فعليًّا للكشف عن مصيره، وظل الملف بلا نتيجة.
وخلال سنوات البحث، توفيت والدة إيهاب وهو ما يزال مختفيًا قسريًّا، وكانت حتى لحظاتها الأخيرة تحلم برؤيته حيًّا واحتضانه من جديد، قبل أن ترحل وقلبها معلّق بأمل لم يتحقق.
في مارس/آذار 2021، تلقت الأسرة اتصالًا من شرطة دار سعد تطلب حضور والد إيهاب للتعرف على جثث عُثر عليها مدفونة في حوش قائد لواء النقل. ذهب الأب مثقلًا بالخوف والرجاء، عاين الجثث واحدة تلو الأخرى، لكنه أبلغ الشرطة أن جثة ابنه ليست بينها. لم يكن ذلك نهاية المعاناة، بل فصلًا آخر من الانتظار.
منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 وحتى اليوم، مرّت سنوات طويلة على اختفاء إيهاب فيصل قسرًا، دون توجيه تهمة، أو عرضه على جهة قضائية، أو تمكين أسرته من معرفة مكان وجوده. لا يزال مصيره مجهولًا، في سياق أوسع من حالات الاختفاء القسري التي شهدتها عدن ومناطق أخرى خلال سنوات النزاع.
على الحكومة المعترف بها دوليًّا، الكشف عن مصير إيهاب فيصل وجميع المختفيين قسريًّا، والإفراج عن المحتجزين تعسفيًّا، والعمل على إنهاء جريمة الاختفاء القسري التي لا زالت تطال مئات الضحايا في عدن وغيرها من المناطق، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد المتورطين في جرائم الاختفاء القسري ومحاسبتهم، والانتصاف للضحايا وعائلاتهم وجبر ضررهم.