إيمان البشيري

اختفاء قسري للمرة الثانية في صنعاء

March 1, 2026

كان يوم الجمعة، 26 يونيو/حزيران 2020، يبدو يومًا عاديًّا في حي بيت معياد، أحد أحياء مديرية السبعين في أمانة العاصمة صنعاء. كانت إيمان محمد يحيى البشيري، امرأة يمنية وربة منزل تبلغ من العمر 34 عامًا، تمارس حياتها اليومية، عندما غادرت بيتها في وقت الظهيرة. لكن شيئًا ما انكسر في ذلك اليوم، إذ لم تعد، ببساطة.. اختفت قسريًّا.

لم تكن تلك المرة الأولى التي تُغيَّب فيها إيمان. فقد سبقتها واقعة اختفاء قسري أخرى في فبراير/ شباط 2019. يومها خرجت إيمان للتخلص من القمامة، ولكنها لم تعد. سيارة نوافذها معتمة، امرأتان، ورجل بملابس مدنية، وسؤال عابر عن موقع وزارة التربية والتعليم، ثم وخزة في اليد، وفقدان للوعي.

تروي والدتها، السيدة حبيبة محمد، ذات الستين عامًا، بمرارة:

"في المرة الأولى، خرجت إيمان لإلقاء القمامة. توقفت سيارة بجانبها، فيها امرأتان ورجل بلباس مدني، سألوها عن موقع وزارة التربية، ثم شعرت بوخزة في يدها، وفقدت الوعي. بحثنا عنها طويلًا، حتى جاءنا اتصال من رقم مجهول. كانت إيمان على الطرف الآخر، تبكي وتطلب ألا نتخلى عنها".

بعد ستة أشهر، وفي أحد أيام ديسمبر/ كانون الأول 2019، عادت إيمان إلى منزلها. لكن ما عاد لم يكن الجسد ذاته، ولا الروح نفسها.
كانت هزيلة إلى حدّ مخيف، جلدها مغطى بالكدمات، تتحرك حبوًا على الأرض لأنها لم تعد قادرة على المشي. العيون الشاردة... كلها كانت تروي شيئًا فشلت الكلمات في التعبير عنه.

تحكي والدتها، السيدة حبيبة محمد (60 عامًا)، وقد اغرورقت عيناها بالدموع:

"ابنتي لم تكن تريد الحديث كثيرًا. كانت تصدّنا بابتسامات ساخرة. قالت لنا مرة: (كنت في السجن، مش في فندق). هذا كل ما كنا نحصل عليه منها".

ورغم جراحها، بدأت إيمان تستعيد بعضًا من صحتها، شيئًا فشيئًا. لكن القدر لم يمهلها طويلاً.

في يونيو/ حزيران 2020، وبعد ستة أشهر فقط من الإفراج عنها، خرجت إيمان لشراء بعض الطعام، واختفت قسريًّا من جديد، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها.

ومنذ ذلك اليوم، لم تصل العائلة إلى أي خبر مؤكد عنها. طرقت الأسرة كل الأبواب، ورفعت مذكرات رسمية، واستعانت بمحامين، وناشدت المؤسسات الأمنية والقضائية. لكن لا أحد أجاب.
الردود كانت تتراوح بين "لا نعلم" و"ليست لدينا"، بل وفي بعض الأحيان "ربما هربت".

تقول والدتها:

"ذهبنا إلى البحث الجنائي، في البداية أنكروا وجودها، ثم اتصلوا بنا فجأة في رمضان 2023 الموافق 1444هـ، قالوا لنا: (هاتوا ورقة من عاقل الحارة وتعالوا استلموها). فرحنا، بكينا، أسرعنا... لكن عند وصولنا قالوا إنها غير موجودة. وبعدها طلبوا ملابس وطعامًا لها، ثم عادوا لينكروا كل شيء".

إن صوت أم إيمان ليس غريبًا في اليمن. إنه صوت عشرات الأمهات، والزوجات، والبنات، اللواتي يحملن صور أحبابهن المفقودين، ويتنقلن من مكان إلى آخر بين حيرة وأمل، يطرقن أبوابًا مغلقة، ويبحثن عن ومضة صدق، أو خيط من رحمة لا لشيء سوى أن يعرفن: "هل ما زالوا أحياء؟"

على جماعة أنصار الله (الحوثيين)، الكشف عن مصير إيمان البشيري، والكشف عن جميع المختفين قسرًا، والإفراج عن كافة المحتجزين تعسفيًّا، والعمل على  إنهاء جريمة الاختفاء القسري التي لا زالت تطال المئات من الضحايا في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفتح تحقيقات شفافة ومستقلة لتحديد المتورطين في جرائم الاختفاء القسري ومحاسبتهم، وجبر ضرر الضحايا وعائلاتهم والانتصاف لهم.