حفر دؤوب على جدار الإفلات من العقاب

تسعى حركة حقوق الإنسان لفتح ثغرات للعدالة والمساءلة عن جرائم الحرب التي ارتكبتها كافة الأطراف في اليمن، و أطراف الحروب الأخرى في المنطقة. كما تدرك أن تحديات كثيرة، تتظافر مع جدار الإفلات من العقاب، لكنها تواصل مساعيها من أجل تقليص مساحة "الملاذات الآمنة" على المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان.

October 24, 2018
عبدالرشيد الفقيه
عبدالرشيد الفقيه

فرص وتحديات تثبيت المساءلة عن جرائم الحرب في اليمن والمنطقة العربية

24 أكتوبر/تشرين أول 2018

عبدالرشيدالفقيه

المدير التنفيذي لمنظمة مواطنة لحقوق الإنسان

باحث في حقوق الإنسان

ساهمت قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في جلب المزيد من الإهتمام بجرائم الحرب المرتكبة في حرب اليمن والمأساة الإنسانية التي صنعتها أطراف الحرب ، وأعادت طرح الكثير من الأسئلة حول سياسة الإفلات من العقاب وضرورة فتح مسار مسائلة شامل ، ومع تسليط الضوء على الإنتهاكات في اليمن بشكل أوسع ضمن تفاعلات قضية خاشقجي ، أكدت واشنطن بوست على أن “أفضل مكان للبدء في تعديل سياسة الولايات المتحدة هو حيث بدأ محمد بن سلمان نفسه: من الحرب الكارثية في اليمن.” واليمن كما أتصور اختبار حقيقي للضمير العالمي ولمباديء العدالة وحقوق الإنسان .

في تقريره الأول ، المقدم من قبل المفوض السامي لحقوق الإنسان أمام الدورة التاسعة والثلاثون لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في الفترة من 10 إلى 28 سبتمبر 2018 ، أشار فريق الخبراء البارزين الذي أنشيء بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان الصادر في 29 سبتمبر 2017 في إحدى خلاصاته ، إلى ضرورة إنشاء محكمة مستقلة ، في أول إشارة ضمن تقرير حقوقي بهذا المستوى إلى خطوة إجرائية تحقق المساءلة عن جرائم الحرب في اليمن .

تبذل الجهات العاملة في مجال حقوق الإنسان جهوداً حثيثة من أجل إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب. ورغم أنها جهود أشبه بالحفر على جدار مشيد من أحجار حسابات المصالح والتحالفات الدولية والإقليمية الفاسدة، إلا أن حركة حقوق الإنسان تسعى، بلا كلل، لفتح ثغرات للعدالة والمساءلة عن جرائم الحرب التي ارتكبتها كافة الأطراف في اليمن، وبالمثل، أطراف الحروب الأخرى في المنطقة. تدرك حركة حقوق الإنسان أن تحديات كثيرة، سياسية وقانونية وذاتية، تتظافر مع جدار الإفلات من العقاب، لكنها تواصل مساعيها من أجل تقليص مساحة “الملاذات الآمنة” على المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي ظل تزايد الصراعات التي أفضت إلى تحولات وأزمات إنسانية حادة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما هو الحال في اليمن، سوريا، ليبيا، العراق، سوريا ومصر، وفي ظل تدهور أوضاع حقوق الإنسان عالمياً مع صعود إدارات شعبوية، وتداخل المسؤوليات بين المنتهكين المباشرين من الدول الصغيرة والجماعات المسلحة، وبين حلفائهم وداعميهم من إدارات الدول الكبرى وحكوماتها، ومع استمرار تكريس سياسة الإفلات من العقاب إلى درجة الرسوخ، تجد حركة حقوق الإنسان والعدالة، ذاتها أمام اختبار وجودي يحاصرها بأسئلة مُلحة حول أثر نضالها وجدواه؛ أسئلة تتركز أيضاً، حول كيفية الحفاظ على ثقة الضحايا بآليات عملها وبما ترفعه من أهداف ومطالب وشعارات، وحول مدى نجاح أنظمة الهيمنة وحلفائها في الحد من دور وفاعلية المنظمات الحقوقية، وتأطير حركتها ضمن قنوات تسيطر عليها الأنظمة والحكومات والتحالفات والإدارات المسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان وعن صناعة الأزمات الإنسانية.

رغم هذه الصورة المعتمة للوضع العالمي الراهن الذي تعمل في ظله حركة حقوق الإنسان، هناك فرص حقيقية لإنفاذ العدالة والمساءلة، وخلق قصص نجاح مشجعة على ذلك. ففي أحدث نماذج تلك الفرص، أصدر المدعي العام الألماني، يوم الجمعة 8 يونيو/ حزيران 2018 ، مذكرة توقيف دولية بحق مدير المخابرات الجوية السورية اللواء جميل حسن بتهمة ارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” بين 2011 و2013. كما يمكن تتبع فرص المساءلة من خلال أنموذج اليمن وبعض خصائصه المساعدة. ذلك أن اليمن لم تغرق نهائياً، كما هو الحال في أزمات أخرى، في فوضى الجماعات المتطرفة التي تشوش بمسلكها ومشروعها وممارساتها الوحشية، على انتهاكات حقوق الإنسان ومرتكبيها وضحاياها، بالإضافة لما تمثله تلك الجماعات من خطورة وتهديد ضمن إطار “بُعبُع” الإرهاب على الأمن العالمي؛ فقد حالت البنى التقليدية في اليمن، مثل القبيلة والميليشيا السياسية، دون ملء الجماعات المتطرفة للفراغات التي خلّفتها حالة انهيار جهاز الدولة وتلاشيه.

وفي حالة اليمن، لا تزال إمكانية الوصول لوقائع الانتهاكات وضحاياها وإثبات مسؤولية مرتكبيها، قائمة من خلال التحقيقات المهنية المستقلة. ولا يزال بإمكان الضغط الموضوعي المتوازن على الأطراف من قبل المجتمع الدولي والآليات المدنية المختلفة، إحداث فارق حقيقي وملموس يحد من الانتهاكات ويقلل عدد الضحايا. فأطراف الحرب في اليمن، على تعددها واختلافها، مازالت في الأغلب الأعم، تسعى لضمان موقع لها في مستقبل العمل السياسي. لذلك، فهي تحرص على رفع لافتات سياسية، كما تحرص على الحد من تأثير انتهاكاتها على مستقبلها السياسي، خاصة في حال وجود جهود موضوعية ودقيقة توثق الانتهاكات وتعمل عليها بآليات ووسائل فاعلة. هناك ما يساند هذه الفرضية حتى وإن أظهرت الأطراف المتهمة بالانتهاكات، في ردة فعلها الفورية، غير ذلك؛ فهي تتفاعل بشكل واسع مع كل عمل حقوقي يكشف جانباً من تلك الانتهاكات، حتى وإن تمثل تفاعلها بحملات ضخمة لإنكار مضامين الانتهاكات، ومهاجمة الجهات الحقوقية التي تكشفها. وهكذا، فإن أثر الجهود الحقوقية الإيجابية، تطال حسب التراكم، سلوكيات الأطراف والوعي العام وبيئة حقوق الإنسان. هذا الأثر، هو ما يمثّل حافزاً لمواصلة جهود مناهضة انتهاكات حقوق الإنسان، من أجل توسيعه وترسيخه لصالح الضحايا وقضاياهم.

ابتداءً، تسعى الآليات المدنية المتنوعة، من خلال كل عمل لها في هذا الإطار، إلى محاكمة أدبية وأخلاقية تؤدي إلى وصم وإدانة كل طرف بأفعاله وسلوكياته المشينة بحق ضحايا ضعفاء، مستخدماً ما حازه من قوة أو سلطة أو نفوذ، بطرق غير طبيعية وفي سياق استثنائي.

تحاول حركة حقوق الإنسان عبر هذه الآليات، ومن خلال الأبحاث الاستقصائية الميدانية الدقيقة، الاستفادة من ثورة الاتصالات لتقديم حقائق الحرب وفظاعاتها، والمآسي التي تخلفها، وكشف صنّاعها. وتنعكس تلك الأبحاث الاستقصائية إلى تقارير، بيانات، مقالات، أخبار، مدونات، صور وفيديوهات، وغيرها من الإصدارات الحقوقية، التي تُبث عبر مختلف وسائل الإعلام ووسائط الاتصال ومنصات التواصل الاجتماعي وشبكاتها. وبالإضافة لذلك، هناك أعمال وأنشطة المناصرة والضغط وكسب التأييد. وهكذا تتمّ إحاطة الرأي العام وصناع السياسات والمشرّعين والقوى المساندة لقضايا العدالة وحقوق الإنسان، بما تخلّفه الحروب من مآسي وما يصاحبها من انتهاكات وجرائم. هذه الجهود الكاشفة للانتهاكات، تقابلها “حملات العلاقات العامة” التي تعمل لصالح الجهات المنتهكة، بإمكاناتها الضخمة ورشاويها المتعددة ووسائلها ومنصاتها وشبكاتها وجيوشها الإلكترونية. غير أن مثقاب العمل الحقوقي الإيجابي، يمكن أن يحدث ثغرة للمساءلة إذا ما استمر في الحفر على جدار الإفلات من العقاب.

ومن خلال الآليات المدنية المتنوعة، توضع ممارسات وانتهاكات وخروقات الأطراف والسلطات والجماعات المنتهكة، في مواجهة مع ادعاءاتها وشعاراتها ومزاعمها التي تحاول من خلالها دغدغة تطلعات الناس وآمالهم؛ فلطالما علق مئات الآلاف من السكان رهن جماعات أو سلطات رفعت في رحلة صعودها لافتات لصون كرامة الناس ومصالحهم وتحريرهم من شرّ مقابل، فيما يجدون أنفسهم لاحقاً، أمام ظافر جديد بمسمى جديد، يفتك بكرامتهم وحقوقهم ومصالحهم، حاملاً لهم كل طبائع سلفه وممارساته. إنها واحدة من مفارقات أزمات وصراعات وتحولات المنطقة، التي تتسم بحالة من التبادل الدوري لموقع الظالم والمظلوم.

وفي ظل انهيار المنظومة العدلية والقضائية المحلية في البلدان التي تفتك بها الصراعات، وعدم كفاءتها في الظروف الطبيعية، فضلاً عن الأوضاع الإستثنائية، وعدم ولايتها القانونية على أنماط ووقائع انتهاكات حقوق الإنسان في النزاعات المسلحة التي تقع في إطار ولاية القانون الدولي الإنساني- قواعد الاشتباك، وطبيعة المركز القانوني للأطراف المنتهكة وقياداتها ومسؤوليها، بالإضافة لعدم قدرة تلك المنظومة العدلية المنهارة على المساءلة والملاحقة، تبرز ضرورة إنشاء آليات قضائية دولية ذات ولاية قانونية عالمية مكانياً وذات ولاية موضوعية متخصصة في الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي لا تشملها القوانين المحلية محدودة الولاية.

من أبرز الآليات المُنشأة لتأمين الاحتياج العالمي للمساءلة عن الجرائم الأشد خطورة، “المحكمة الجنائية الدولية“، المُنشأة بموجب نظام روما الأساسي. أنشئت هذه المحكمة بهدف وضع حد لإفلات مرتكبي الجرائم الخطيرة من العقاب، وقد حدد نظامها الأساسي، الجرائم التي تشملها ولاية المحكمة بجريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان.

ينحصر نظر المحكمة في ملفات الانتهاكات التي تقع في نطاق الدول الأطراف فيها، والموقعة على نظامها، أو في حال تقدمت دولة ليست طرفاً فيها، بطلب نظر المحكمة في جرائم وقعت في نطاقها، أو عند إحالة مجلس الأمن الدولي ملف جرائم إليها، حتى وإن كانت في دولة ليست طرفاً في المحكمة.

لسوء حظ مواطني دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تطحنها الصراعات، أن حكوماتها، باستثناء الأردن، رفضت التوقيع على نظام المحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي حالت دون ولاية المحكمة للنظر في الفظاعات التي طالت عشرات الآلاف من الضحايا في هذه الدول.

ويضاعف من صعوبة الأمر، صراع المحاور الإقليمية والدولية في أروقة مجلس الأمن، صاحب الصلاحية في إحالة ملفات الجرائم لغير الدول الموقعة على نظام المحكمة. هذا الصراع يؤدي لتعطيل إمكانية قيام المجلس بإحالة ملفات انتهاكات حقوق الإنسان بموضوعية في الكثير من الدول، وبذلك يتخلى عن المسؤوليات المنوطة به، ويرضخ لحسابات المصالح والتحالفات والمقايضات السياسية.

وفوق ذلك، تواجه المحكمة منذ إنشائها جهوداً مُكثفة لتقويض تجربتها وأهدافها الرامية إلى إيجاد آلية عدالة دولية تنهي سياسة الإفلات من العقاب. تلك الجهود تقودها بشكل أساسي، الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية؛ فقد أعلنت الحكومتان مراراً، منذ إنشاء المحكمة، رفضهما لها، الأمر الذي عُدّ محاولة منهما لحماية مسؤوليهما المتورطين في انتهاكات جسيمة، في عدد من الحروب، من أية مساءلة أو محاسبة أو إدانة، كما تقتضيه العدالة.

حققت المحكمة الجنائية الدولية نجاحات محدودة؛ ابتداء من محاكمة توماس لوبانجا (جمهورية الكونجو الديمقراطية)، وهو أول شخص تدينه المحكمة بجريمة تجنيد واستخدام الأطفال في النزاعات المسلحة، مروراً بالتحقيق في جرائم الحرب التي وقعت في أوغندا، السودان، جمهورية أفريقيا الوسطى، الكونجو وليبيا. رغم ذلك، لا تزال تجربة المحكمة تواجه صعوبات جمة تعترض طريقها، وتجعلها أمام اختبارات وجودية لإثبات فاعليتها وجدواها وجدارتها؛ ذلك أن عشرات الآلاف من الضحايا مازالوا ينتظرون تأمين حاجتهم للعدالة والإنصاف في غير منطقة من العالم. كما أن على المحكمة تجاوز كافة الإشكالات التي تحول بينها وبين مهمتها ووظيفتها التي وجدت لأجلها: ملاحقة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان ومحاسبتهم.

بالتوازي مع تجربة محكمة الجنايات الدولية، برزت تجارب إقليمية ودولية حققت اختراقات مهمة لصالح قيم العدالة والمساءلة. من ذلك، تجربة “المحكمة الأفريقية الخاصة“، في دكار عاصمة السنغال، التي أنشئت بدعم من الاتحاد الأفريقي. كان من أبرز قصص نجاح المحكمة الأفريقية، محاكمة ديكتاتور تشاد السابق، حسين حبري، الذي أصدرت ضده حكماً بالسجن المؤبد، إثر إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم تعذيب. وقد كانت تلك المحاكمة ثمرة لمساعي حقوقية استمرت 25 عاماً.

ومن التجارب المهمة كذلك، “المحكمة الجنائية الدولية من أجل يوغوسلافيا السابقة“، في لاهاي بهولندا. أنشئت هذه المحكمة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 823، وقد أصدرت في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، حكماً تاريخياً بإدانة راتكو ملاديتش، قائد الأركان في جيش صرب البوسنة من 1992 إلى 1996. كان ملاديتش يُعرف بلقب “جزار البوسنة”، وقد أدانته المحكمة بـ10 من أصل 11 تهمة بارتكاب جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، وجرائم إبادة جماعية، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة.

وبالمثل، كانت تجربة “محكمة الجنايات الدولية لرواندا“، المنشأة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 955. أصدرت هذه المحكمة أول أحكامها في 2 سبتمبر/ أيلول 1998، بإدانة “جون باول أكايسو”، العمدة السابق لبلدة تابا الرواندية، بسبب تورطه في ارتكاب أعمال إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وإشرافه عليها. وقد قضى الحكم بحبسه مدى الحياة.

في السنوات الأخيرة، ومع تزايد الفظاعات التي اتسمت بها العديد من صراعات المنطقة، تضع الكثير من جماعات حقوق الإنسان، ومعها عشرات الآلاف من الضحايا، آمالاً عريضة على المحاكم الأوروبية، حيث التشريعات والسياسات الأكثر التزاماً بحقوق الإنسان. تتوفر في المحاكم الأوروبية، الولاية القضائية العالمية، المتوائمة مع ما تفرضه المعاهدات الدولية على الدول التي تنضم إليها. ويمكن استخدام الولاية القضائية العالمية لمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب المرتكبة في إطار نزاع دولي مسلح. فهي تلزم الدول الموقعة بتسليم كل مشتبه به على أراضيها أو التحقيق معه، كما يسمح القانون الدولي العرفي للدول، باستخدام الولاية القضائية العالمية لملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب المرتكبة في النزاعات المسلحة غير الدولية، والجرائم ضدّ الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية.

وإنفاذا لتلك الالتزامات، بدأت مؤخراً بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، فرنسا والسويد، استخدام قوانين الولاية القضائية العالمية، للتحقيق في مزاعم جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية والإبادة الجماعية، في سوريا والعراق. على سبيل المثال، أدانت محكمة في ستوكهولم في العام 2015، المواطن السوري مهنّد الدروبي، بالتعذيب كجريمة حرب، وقضت بحبسه 5 سنوات، ثم زادت العقوبة إلى الحبس 8 سنوات بعد إعادة المحاكمة. كانت تلك أوّل محاكمة أوروبية خاصة بجرائم حرب وقعت في سوريا. كما اعتقلت الشرطة السويدية، في مارس/ آذار 2016، عنصراً آخر من جماعة سورية مسلّحة، كان قد وصل إلى السويد في العام 2013، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب. وفي ألمانيا، قالت الشرطة إنها فتحت 13 تحقيقاً في قضايا تتعلق بالحرب في سوريا. ترمي هذه التحقيقات الواسعة، التي ليس فيها مشتبهون محدّدون، إلى جمع أدلّة متوفرة في ألمانيا، من أجل تسهيل إجراء محاكمات جنائية مستقبلية أمام محاكم ألمانية أو محاكم أخرى. وفي إجراء مماثل في فرنسا، فتحت النيابة العامة، التابعة لوحدة خاصة بجرائم الحرب في باريس، في سبتمبر/ أيلول 2015، تحقيقاً أولياً في أعمال فظيعة ارتكبها النظام السوري. كما رُفعت شكاوى ودعاوى أخرى بشأن جرائم الحرب في سوريا، أمام الجهات القضائية في النرويج، هولندا، سويسرا، فنلندا. وقد ساندت تلك الشكاوى، جهود حقوقية حثيثة، من أجل الوصول إلى محاكمات فعّالة تحقق الإنصاف للضحايا، وتحرز ظفراً جديداً لقيم العدالة والمساءلة.

ورغم محدودية نطاق وعدد الملاحقات الأوروبية لمرتكبي الجرائم والإنتهاكات الخطيرة، إلا أنها تمثل خطوات مهمة لتحريك عجلة العدالة، وتفتح المزيد من نوافذ الأمل لضحايا الانتهاكات الفظيعة.

في الحالة اليمنية، قدم المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR) في ألمانيا، بالشراكة مع منظمة مواطنة لحقوق الإنسان في اليمن وشبكة نزع السلاح الإيطالية في إيطاليا، بتاريخ 17 أبريل 2018، شكوى جنائية إلى مكتب المدعي العام الإيطالي في روما. كان الهدف من تلك الشكوى، إجراء تحقيق في المسؤولية الجنائية للهيئة الوطنية الإيطالية لتصدير الأسلحة UAMA، وهي السلطة المخولة بتصريح صادرات الأسلحة الإيطالية، وبالمثل، التحقيق مع مدراء مصنع الأسلحة الإيطاليRWM Italia S.p.A لتصديرهم الأسلحة إلى دول في التحالف العسكري الذي تقوده السعودية، والمنخرط في النزاع الذي تشهده اليمن. أساس المطالبة بإجراء ذلك التحقيق هو استخدام التحالف العربي لتلك الأسلحة في قتل وجرح المدنيين وتدمير الأعيان المدنية، ضمن خروقات واسعة للقانون الدولي الإنسان.

وفي بريطانيا أعلنت محكمة الاستئناف يوم الجمعة 4 مايو/ أيار 2018، قبول الاستئناف المقدم من ائتلاف مدني مناهض لبيع الأسلحة. سبق لهذا الائتلاف أن قدم دعوى قانونية من أجل إيقاف تزويد المملكة العربية السعودية بالسلاح بسبب استخدامها له في قتل وجرح المدنيين في اليمن. وكانت المحكمة العليا قضت سابقاً برفض الدعوى ذاتها في 10 يوليو/ تموز 2017. وخلصت في حكمها إلى أن منح تراخيص تصدير الأسلحة من المملكة المتحدة إلى السعودية لا يخالف القانون.

وتسعى العديد من المنظمات والهيئات المدافعة عن حقوق الإنسان، إلى رفع المزيد من الدعاوي داخل أوروبا بشأن جرائم الحرب في اليمن. تهدف هذه المساعي لاستصدار أحكام تفتح أبواب المساءلة عن الخروقات الجسيمة التي صنعت ما وصفته مؤسسات الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية بأكبر أزمة إنسانية في العالم.

سوف يظل مطلب الضحايا والعاملين في مجال حقوق الإنسان بإنشاء محاكم جنائية دولية خاصة بالفظاعات في سوريا، ليبيا، العراق واليمن، قائماً، أسوة بالتجارب الناجحة في أفريقيا ويوغسلافيا السابقة. وإذا ما تحقق هذا المطلب، فسوف يلبي الحاجة الملحة لوجود أُطر فاعلة ذات ولاية قانونية وموضوعية شاملة تستجيب لحجم الفظاعات التي كابدها عشرات الآلاف من المدنيين، كما تستجيب في نفس الوقت، لتحقيق العدالة وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وملاحقة ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب تلك الفظاعات.

وحتى لا تتحول منظمات حقوق الإنسان لمجرد جهاز فني يعمل على إحصاء الضحايا، ويُستهلك ضمن قنوات بيروقراطية صدئة ومعطوبة، وحتى لا تُحاصر في دور المُعلق على هامش الأحداث، ينبغي عليها الإستعداد المؤسسي لعمل استراتيجي من أجل المساءلة والعدالة. إذ يتوجب عليها العمل بنفس طويل، في إطار تراكمي، واجتراح قصص نجاح لصالح الضحايا والقضايا. لكن قبل ذلك، يتوجب عليها رفع كفاءة وجودة ودقة أعمال وتقنيات التقصي والتوثيق وتطوير آليات عملها في مختلف المستويات، وخلق البدائل الفعالة والمؤثرة. هذه السلسلة من المتطلبات لا تتوقف عند هذا الحد، بل يضاف إليها التخطيط لعمل جماعي عالمي لرواد حركة حقوق الإنسان، مؤسسات وأفراد، لمواجهة الارتداد عن التزامات حقوق الإنسان، ومجابهة هذا الطوفان من الانتهاكات والجرائم، وكسر حالة الإفلات من العقاب المحروسة من أقطاب المجتمع الدولي.

بالإضافة لكل ذلك، لا بد أن تسعى حركة حقوق الإنسان إلى الاستهداف الفعال للمجتمعات المحلية في الدول الكبرى لمحاسبة حكوماتها. فانتهاكات حقوق الإنسان ليست شأناً خارجياً؛ إنها شأن داخلي مرتبط بقيم هذه المجتمعات ومسؤولية حكوماتها عن مآسي مجتمعات أخرى، وعن مشاركاتها في انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. يجب أن يتبين العالم أجمع، كيف تتعامل هذه الحكومات داخل أقطارها بمعايير وقيم تتناقض كلياً مع المعايير والقيم التي تتعامل بها في سياساتها الخارجية مع المجتمعات الأخرى؛ فهي تكرس سيادة القانون وحقوق الإنسان وقيم الديمقراطية والعدالة داخل أقطارها، بينما تكرس داخل المجتمعات الأخرى، سياسة الفوضى والانفلات، وتعزز وسائل القوة والإكراه، وتدعم الدكتاتوريات وفسادها.