
من الفقرات الغنائية والبرامج الثقافية إلى صرخات الضحايا وأناتهم

على قمة جبل خنفر الذي يطل على مدينة جعار في محافظة أبين، جنوب اليمن، تحولت مرافق ما عُرفت بـ "إذاعة الشعب"، والتي كانت منذُ أواخر السبعينيات تبث الأغاني الطربية والبرامج الثقافية الاجتماعية وتعمل على تنمية الوعي حول الزراعة والري والثروة الحيوانية وقضايا المرأة والطفل وغيرها، إلى مركز احتجاز غير رسمي، لا تُسمع منه إلا صرخات الضحايا وأناتهم، حيثُ أصبح جبل خنفر شاهدًا على رحلة طويلة من تحولات منشأة مدنية قديمة إلى مركز احتجاز تُرتكب فيه أبشع الانتهاكات، بعيدًا عن أي مساءلة أو رقابة.
في مايو/ أيار 2011، سيطر مسلحو تنظيم أنصار الشريعة على مرافق إذاعة أبين وغيرها من المرافق الحكومية في جبل خنفر، ونهبوا محتوياته، وحولوا تلك المرافق إلى معسكر ومركز احتجاز وتعذيب وقتل، ورغم استعادة الموقع في مايو/ أيار 2012، من قبل قوات الحكومة اليمنية، لم يستعد المكان طابعه المدني، بل استمر كموقع احتجاز غير قانوني، دون أن يتغير جوهر الانتهاك.
ومنذ عام 2016، بات الموقع يُستخدم كمركز احتجاز واستجواب تحت مسمى "مكافحة الإرهاب"، وتديره قوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من قبل الامارات، كمركز احتجاز خارج أي إشراف قضائي أو قانوني.
لقد تناوبت السيطرة على مركز احتجاز جبل خنفر عدة أطراف، غير أن الانتهاكات المروعة كانت هي المشترك الثابت بينها.
تفصل ثلاث بوابات أمنية قمة جبل خنفر عن المدينة وعن محيطها وعن العالم الخارجي، نقاط تفتيش مشددة، مدرعات، جنود مسلحون، وغرف عمليات لا يُسمح بالمرور منها، والصعود إلى الأعلى ليس مجرد انتقال اعتيادي من مكان إلى آخر، بل عبور إلى مساحة موحشة تُستباح فيها الحقوق.
داخل المباني القديمة، التي كانت يومًا ما إذاعة، تحولت الغرف إلى زنازين احتجاز، وبعضها إلى أماكن يُمارس فيها التعذيب، لا لافتات رسمية، ولا سجلات واضحة، ولا إشراف قضائي، بل محتجزون معزولون، وأُسر تبحث، وأسئلة بلا إجابات.
في مركز احتجاز جبل خنفر غير الرسمي، تتكرر أنماط الانتهاكات: تعذيب جسدي ونفسي، احتجاز تعسفي، اختفاء قسري، وحرمان تام من الضمانات القانونية، في بعض الحالات، لا يُعرف مصير المحتجز إلا بعد شهور، وفي حالات أخرى لا يُعرف أبدًا، قد تُغيب الأجساد، لكن الألم يمتد إلى العائلات، ويستقر طويلًا في تفاصيل حياتهم اليومية.
وثقت مواطنة لحقوق الإنسان احتجاز 21 ضحية في مركز الاحتجاز غير الرسمي في "جبل خنفر"، من بينهم 16 ضحية تعرضوا لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، كما وثقت المنظمة 8 حالات اختفاء قسري لفترات ممتدة، لا يزال مصير بعض الضحايا فيها مجهولًا حتى تاريخ تحرير هذه المدونة.
ما يحدث في جبل خنفر لا يُعد حالة معزولة، بل هو جزء من نمط أوسع من أماكن الاحتجاز غير الرسمية التي انتشرت في اليمن خلال سنوات النزاع، حيث تُمارس الانتهاكات باسم الأمن، ويُترك الضحايا وحدهم في مواجهة منظومات مغلقة لا تخضع لأي مساءلة.
تدعو مواطنة لحقوق الإنسان إلى الإغلاق الفوري لمركز الاحتجاز غير الرسمي "جبل خنفر"، ووقف جميع أشكال الاحتجاز خارج إطار القانون، وإخضاع كافة مراكز الاحتجاز إلى لسلطة القضاء والنيابة العامة. ومساءلة جميع القائمين على هذا المركز والمتورطين في الانتهاكات المرتكبة داخله، والكشف عن مصير المختفيين قسريًا، والانتصاف للضحايا وجبر ضررهم، وضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات.