.jpeg)
ست سنوات من الفقد
.jpeg)
مرّت ست سنوات كاملة منذ خرج معتز عبدالحميد الشجيفي من منزله في مساءٍ بارد من فبراير/ شباط 2020، ست سنوات من الانتظار الثقيل، والبحث المضني، والرجاء الذي لا ينطفئ. ستة أعوام تعاقبت فيها الأعياد والمواسم، تغيّرت فيها ملامح الوجوه، وكبرت الأعمار، لكن مكان معتز في البيت ظلّ كما هو، وصورته بقيت معلّقة على الجدار، واسمه حاضرًا في كل دعاء. لم يعد غيابه حادثة عابرة، بل صار زمنًا قائمًا بذاته، وجريمة مستمرة تتجدد كل يوم.
في ليلة الرابع والعشرين من شهر فبراير/ شباط 2020 عند الساعة الثامنة مساءً، نهض معتز (26 عامًا) من مجلسه في منزله بمنطقة الحوبان، الخاضعة لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) بمحافظة تعز، وأخبر شقيقه الأكبر مازن أنه سيخرج قليلًا ثم يعود. لم يحمل هاتفه، فقد كانت بطاريته قد نفدت. لم يكن في الأمر ما يثير الريبة؛ فقد اعتاد أن يخرج لقضاء بعض الحاجات أو لزيارة صديق قريب، ثم يعود بعد وقت قصير. لكن تلك الليلة لم تكن كسابقاتها. خرج معتز… ولم يعد.
كان يخطط خلال تلك الأيام للسفر إلى مدينة تعز لزيارة والدته التي لم يرها منذ أشهر طويلة بسبب الحصار والانقسام الذي فرضته الحرب. كان الشوق إليها يلازمه، وكان يتحدث عن لقائها القريب، غير أن الرحلة التي انتظرها لم تبدأ أصلًا.
مع مرور الساعات، بدأ القلق يتسلل إلى قلب شقيقه. حاول مازن أن يقنع نفسه بأن معتز ربما قرر السفر فجأة إلى والدته دون إبلاغه، لكن إحساسًا ثقيلًا كان يضغط على صدره. لم يغمض له جفن تلك الليلة. ومع بزوغ الفجر، اتصل بوالدته آملًا أن يسمع صوت معتز عندها، إلا أنها أكدت أنها لم تره منذ أشهر. عندها أدرك أن الأمر ليس غيابًا عابرًا.
توجه إلى الجهات الأمنية وقدم بلاغًا رسميًّا، وتم فتح محضر وإحالته إلى البحث الجنائي. ومنذ ذلك اليوم، بدأت رحلة طويلة من التنقل بين أقسام الشرطة والسجون والمقار الرسمية، بحثًا عن أي معلومة، أي أثر، أي خيط يقود إليه. أبواب كثيرة طُرقت، ووعود كثيرة قُدمت، لكن دون نتيجة.
لاحقًا، تلقى معلومات غير رسمية تفيد بإمكانية احتجازه في سجن مدينة الصالح، أحد مراكز الاحتجاز في مناطق سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) بمحافظة تعز. وفي محاولة يائسة لسماع صوته أو الاطمئنان عليه، تواصل مع شخص ادعى قدرته على مساعدتهم مقابل مبلغ مالي. دفعت الأسرة ما استطاعت، لكن ذلك الشخص اختفى بعد استلام المال، ليضاف جرح جديد إلى سلسلة الجراح المفتوحة.
ومع مرور السنوات، لم تعد القصة مجرد اختفاء شاب، بل تحولت إلى مأساة يومية تعيشها الأسرة بأكملها، وفي مقدمتها والدته التي أنهكها الانتظار والبكاء. ست سنوات من الأسئلة بلا إجابة: أين هو؟ هل هو بخير؟ هل يتعرض لسوء معاملة؟ هل ما زال على قيد الحياة؟
في كل رمضان، يبقى كرسيه فارغًا في مكانه على المائدة. في كل مناسبة فرح، يغيب الضحك. وفي كل ليلة، يحدّق الجميع في الباب كأنهم ينتظرون أن يُفتح فجأة، وأن يدخل معتز مبتسمًا كما كان.
منذ 24 فبراير/ شباط 2020، وحتى اليوم، أي بعد ست سنوات كاملة من اختفائه، لا يزال مصيره مجهولًا. واختفاؤه لم يعد حدثًا ماضيًا، بل انتهاكًا مستمرًّا يتجدد مع كل يوم يمر دون كشف الحقيقة.
على جماعة أنصار الله (الحوثيين) الكشف عن مصير معتز عبد الحميد الشجيفي. والإفراج عن كافة المحتجزين تعسفيًّا لديها، والعمل على إنهاء جريمة الاختفاء القسري والانتهاكات المرتبطة بها التي لا تزال تطال المئات من الضحايا في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد المتورطين في جرائم الاختفاء القسري ومساءلتهم، والانتصاف للضحايا وعائلاتهم وجبر ضررهم.