.jpeg)
استمرار استخدام الألغام يحصد أرواح اليمنيين ويقوّض سبُل عيشهم
.jpeg)
قالت مواطنة لحقوق الإنسان في بيان لها اليوم بالتزامن مع اليوم العالمي للتوعية بخطر الألغام الذي يوافق 4 أبريل/ نيسان من كل عام، إن الألغام الأرضية بأنواعها المختلفة تُشكّل خطرًا قاتلاً ومستدامًا يهدّد حياة المدنيين في اليمن، منذ اندلاع النزع المسلح الجاري في سبتمبر/ أيلول 2014 حيث تواصل هذه الأسلحة حصد أرواح المدنيين والتسبب بإصابات جسدية بالغة وإعاقات دائمة، في ظل استمرار النزاع المسلح واتساع رقعة المناطق الملوثة بالألغام.
وأشارت مواطنة إلى أن زراعة الألغام بشكل واسع في المناطق السكنية والطرقات العامة والمزارع ومناطق الرعي وبالقرب من مصادر المياه وأماكن الاصطياد البحري، فاقم من معاناة المدنيين وقيّد قدرتهم على التنقل والعمل والعودة الآمنة إلى مناطقهم، كما أعاق سُبل العيش وعمّق من هشاشة الأوضاع الإنسانية في العديد من المحافظات اليمنية.
وأضافت مواطنة إن هذا اليوم لا يُعد مجرد مناسبة سنوية للتذكير بخطر زراعة واستخدام الألغام في سياق النزاعات المسلحة، بل يمثل مناسبة مهمة لدعوة أطراف النزاع في اليمن وفي مقدمتها جماعة أنصار الله (الحوثيين) لتحمل مسؤولياتهم القانونية والإنسانية تجاه حماية المدنيين، من خلال التوقف الفوري عن زراعتها والعمل على تسليم خرائط انتشارها وتطهير الأماكن الملوثة، وتقديم الدعم اللازم للضحايا والناجين وأسرهم بما يشمل الرعاية الطبية والتأهيل الجسدي والنفسي وضمان إدماجهم في المجتمع وتمكينهم من استعادة حياتهم وسبل عيشهم بكرامة .
وقالت مواطنة إنها وثقت ما لا يقل عن 701 واقعة ألغام ارتكبتها مختلف أطراف النزاع في مقدمتها جماعة أنصار الله (الحوثيين) التي تتحمل ما نسبته 95.5% تقريبًا من إجمالي ما تم توثيقه من وقائع الألغام منذ اندلاع النزاع المسلح في اليمن في أواخر سبتمبر/ أيلول 2014 وحتى فبراير / شباط 2026 بواقع 671 واقعة.
في حين تتحمل أطراف النزاع الأخرى والتنظيمات الإرهابية مجتمعة ما نسبته 4.5 % تقريبًا من إجمالي ما تم توثيقه بواقع 30 واقعة، حيث تتحمل التنظيمات الإرهابية في اليمن المسؤولية عن 13 واقعة، وتتحمل قوات الحكومة المعترف بها دوليًّا المسؤولية عن 9 وقائع، بينما تتحمل قوات التحالف بقيادة السعودية والإمارات المسؤولية عن 3 وقائع، وتتحمل قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًّا المسؤولية عن 3 وقائع، فيما تتحمل القوات المشتركة في الساحل الغربي المسؤولية عن واقعتين من إجمالي ما تم توثيقه.
وذكرت مواطنة أن 54 واقعة ألغام من بين 701 واقعة تم توثيقها منذ سبتمبر/ أيلول 2014، حدثت خلال الفترة من يناير / كانون الثاني 2025، حتى فبراير / شباط 2026، تتحمّل جماعة أنصار الله (الحوثيين) المسؤولية عن 52 واقعة منها، في حين تتحمل التنظيمات الإرهابية في اليمن المسؤولية عن واقعتين.
أسفرت وقائع الألغام التي وثقتها مواطنة عن وقوع 1416 ضحية بواقع 495 قتيلاً، بينهم 212 طفل و38 امرأة، بالإضافة ل 921 جريحًا بينهم 417 طفلًا و105 امرأة، موزعين على عدد من المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرة أطراف النزاع المختلفة، وأكدت مواطنة أن العدد الفعلي لضحايا الألغام أعلى بكثير من هذه الأرقام، إذ تقتصر هذه الإحصائية على الوقائع التي تمكن فريقها الميداني من توثيقها عبر منهجية رصد دقيقة في مختلف المحافظات ولا تعكس بالضرورة كل انتهاكات الألغام خلال الفترة التي يغطيها البيان.
وبحسب ما وثقته مواطنة، فقد حدثت هذه الوقائع أثناء تنقل المدنيين في الطرقات العامة أو أثناء عملهم في المزارع ورعي المواشي والتحطيب وممارسة الصيد في الشواطئ البحرية، أو خلال عودة الأسر النازحة إلى منازلها في مجتمعاتها الأصلية بعد فترات من النزوح، حيث تم زراعة الألغام بطرق عشوائية كما أن معظم الأماكن الملوثة غير مميزة بإشارات أو علامات تحذيرية.
قالت رضية المتوكل، رئيسة مواطنة لحقوق الإنسان: " إن انتشار الألغام وتهديدها المستمر لحياة المدنيين وسبل عيشهم يُمثل جانب من الجوانب المؤلمة للنزاع المستمر في اليمن، ويعكس استهتار الأطراف المتنازعة بحياة وسلامة المدنيين، وإخفاقها في الامتثال لقواعد القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين" مؤكدةً "أن خطر الألغام لا ينحصر وحسب عند الأضرار المباشرة التي يتعرض لها المدنيين على قساوتها، بل تمتد تباعتها إلى التأثير على مقومات الحياة ومصادر العيش التي لا غنى للمدنيين".
وتابعت المتوكل: " على الأطراف المسؤولة عن زراعة وانتشار الألغام وفي مقدمتها جماعة أنصار الله (لحوثيين) وضع حد لهذه الجريمة والقيام بواجباتها القانونية والأخلاقية في تطهير المناطق الملوثة، ودعم جهود الإزالة والتطهير التي تنفذه الجهات الدولية ضمن تدخلاتها الإنسانية وتمكينها من القيام بعملها من خلال تحديد الأماكن الملوثة بالألغام وتسليم خرائط انتشارها، وتسهيل الوصول الآمن والسريع لهذه المناطق"
وأوضحت مواطنة أن الآثار الإنسانية الناجمة عن زراعة الألغام لا تقتصر على الخسائر المباشرة في الأرواح والإصابات الجسدية فحسب، بل تمتد لتشمل تداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة على الضحايا وأسرهم والمجتمعات المحلية المتضررة، فكثير من الناجين يعانون من إعاقات دائمة تفقدهم القدرة على العمل وتحمّل أعباء الحياة، بينما تتحمل الأسر أعباء إضافية للرعاية والعلاج في ظل محدودية الخدمات الصحية وإمكانيات التأهيل في اليمن، ما يفاقم من هشاشة الأوضاع الإنسانية ويعمّق دوائر الفقر والمعاناة.
نماذج لانتهاكات الألغام
قال والد الضحايا في شهادته لمواطنة: "ذهب أولادي لجلب الماء، أمتطى كل واحد منهما حمارًا، وكانت الأسرة تنتظر عودتهما بالماء لكي يذهب الجميع لحضور حفلة زفاف في بيت شقيقي الذي كان يحتفل بزواج اثنين من أبنائه، بعد خروجهما من المنزل بوقت قصير سمعنا صوت انفجار لغم ".
وأضاف: "لم تمر سوى لحظات حتى حضر إلى منزلي عدد من الجيران وأخبروني بما حدث، خرجت مباشرة إلى موقع الانفجار ولم أجد سوى الحمارين نافقين، حيث كان قد تم إسعاف أولادي الضحايا إلى المستشفى، وعند وصولي للمستشفى شاهدت أولادي الاثنين وجسديهما ممزقين وقد فارقا الحياة، هذه الحادثة حولت حياتنا إلى مأساة، وحوّلت العُرس إلى مأساة".
قالت والدة الضحايا لمواطنة: ما زلت مصدومة مما حصل لابنيّ، لقد شاهدته أحد أبنائي وهو أشلاء متناثرة، وهذا بسبب الألغام التي يزرعها عناصر تنظيم القاعدة التي تنشتر في جبال المنطقة المجاورة، ويقومون بزراعة الألغام لإعاقة تحرك القوات العسكرية التي تطاردهم.
يُعد استخدام الألغام وفي مقدمتها الألغام المضادة للأفراد من الممارسات العسكرية التي تخلّف آثارًا إنسانية مدمرة وطويلة الأمد على المدنيين، وقد عمل المجتمع الدولي على حظرها بصورة واضحة من خلال اتفاقية حظر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدميرها لعام 1997 (اتفاقية أوتاوا) التي تعد اليمن طرفًا فيها ، التي تحظر بشكل قاطع استخدام هذه الأنواع أو إنتاجها أو نقلها أو تخزينها، كما تُلزم الاتفاقية الدول الأطراف باتخاذ تدابير فعّالة لإزالة الألغام من المناطق الملوثة بها، وتدمير مخزوناتها، وتقديم المساعدة والرعاية للضحايا والناجين منها ، كما تعد الألغام بأنواعها من الأسلحة العشوائية التي لا تميز بين المدنيين والعسكريين ما يجعبها من ضمن الأسلحة المحظورة بموجب القانون الدولي الإنساني، حيث تنص المادة السابعة من البروتوكول الإضافي الثاني التابع لاتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة على حظر الألغام وغيرها من الأجسام المتفجرة.كما ينص القانون رقم 25 لسنة 2005 ، من الدستور اليمني على حظر إنتاج الألغام المضادة للأفراد وحيازتها واستعمالها ونقلها والاتجار بها بشكل مطلق.
وكانت مواطنة قد أطلقت في شهر نوفمبر / تشرين الثاني 2024 ، تقرير " حقول الموت" الذي سلط الضوء على الآثار الناجمة عن استخدام الألغام الأرضية في النزاع اليمني الحالي ، بنوعيها المباشر وغير المباشر على حياة ومستقبل المدنيين في أكثر من منطقة ومحافظة يمنية من المناطق الملوثة بالألغام ، بوصفها إحدى أنماط الانتهاكات التي تستمر آثارها لفترات طويلة ، قد تمتد لعقود بعد انتهاء العمليات العسكرية ، واستعرض التقرير مدى الانتشار المهول للألغام وطبيعة الأماكن التي زرعت فيها ، بهدف معالجة آثار هذا الانتهاك الذي تزداد خطورته وضحاياه مع انخفاض العمليات العسكرية وعودة العديد من السكان إلى منازلهم في المناطق التي نزحوا منها .
ودعت مواطنة أطراف النزاع في اليمن وعلى رأسهم جماعة أنصار الله (الحوثيين ) إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني بما في ذلك اتفاقية أوتاوا، والتوقّف الفوري عن زراعة واستخدام الألغام، وتمييز المناطق الملغومة بإشارات تحذيرية وعلامات واضحة تقلل من الضرر على المدنيين، والعمل على تطهير المناطق الملوثة، وتسهيل عمليات الإزالة والتطهير التي تقوم بها جهات دولية ومحلية بما في ذلك تسليم خرائط انتشار الألغام، والسماح بدخول الخبراء والمعدات التقنية والوقائية لنازعي الألغام، واتخاذ تدابير فعالة لجبر ضرر الضحايا وعائلاتهم بما في ذلك تقديم التعويضات الملائمة ودعم برامج التأهيل الصحي والنفسي والمجتمعي.
كما دعت المجتمع الدولي لدعم برامج أنشطة الرصد والإبلاغ عن وقائع الألغام، ودعم برامج تأهيل الضحايا وإعادة دمجهم في المجتمع، وبرامج إزالة الألغام بالإضافة لبرامج توعية السكان بمخاطر الألغام والطرق السليمة للتعامل في المناطق الملوثة للتقليل من حدة مخاطرها. كما جددت مواطنة دعوتها لدعم جهود السلام في اليمن ووضع مسائل حقوق الإنسان بما فيها المساءلة وجبر الضرر ضمن أولويات أي خطط وبرامج للسلام في المستقبل.