مقعد فارغ على مائدة الإفطار

أين أحمد؟

February 21, 2026

في مساء رمضاني هادئ، يوم الخميس 9 مايو/ أيار 2019، الموافق الرابع من شهر رمضان 1440هـ، خرج أحمد فايز سالم بايمين من منزله في منطقة شرق ذهبان بمديرية غيل باوزير، محافظة حضرموت. كانت لحظات ما قبل أذان المغرب تمضي على إيقاعٍ مألوف، روائح الطعام تتصاعد من البيوت، وأصوات المآذن تستعد للنداء. ارتدى أحمد ثوبه، توضأ، ثم خرج مع والده وشقيقه إلى مسجد الحي كما اعتاد في ليالي الشهر الفضيل. لم يكُن في المشهد ما يوحي بأن تلك الخطوات ستكون الأخيرة التي يخطوها بحرية.

كان أحمد في الثانية والعشرين من عمره، طالب في المعهد التقني بالمكلا – قسم التكييف والتبريد. شابًّا بسيطًا في طموحاته، هادئًا في سلوكه، قريبًا من أسرته، معروفًا بين جيرانه بخلقه الطيب. لم يُعرف عنه نشاط سياسي أو أمني، ولم يكن مطلوبًا لأي جهة. كان يحلم بعملٍ كريم ومستقبل مستقر، شأنه شأن آلاف الشباب في بلده.

بعد صلاة المغرب، وأثناء عودته إلى المنزل برفقة شقيقه وأحد الجيران، توقفت بجانبهم سيارة "هايلوكس" مدنية، نزل منها ثلاثة رجال بملابس مدنية ووجوه مغطاة، دون إبراز أي مستند قانوني أو تعريف رسمي. اقتربوا من أحمد بشكل مفاجئ، أمسكوا به بالقوة، حاول مقاومتهم، لكنهم قيدوه سريعًا، غطّوا رأسه بكيس أسود، وأدخلوه إلى السيارة التي غادرت المكان مسرعة. كانت لحظة خاطفة، مربكة، لم تترك خلفها سوى صرخة شقيقه وأثر الغبار في الطريق.

باشرت أسرته البحث عنه فورًا، متنقلة بين المستشفيات وأقسام الشرطة ونقاط التفتيش والمعسكرات، لكنها لم تحصل على إجابة واضحة. تنوعت الردود بين الإنكار والصمت، لاحقًا، توصّلت الأسرة إلى معلومات تشير إلى أن المركبة التي اقتادته خرجت من معسكر كوارتز في حضرموت، وهو معسكر يتبع لقوات النخبة الحضرمية التابعة لقوات التحالف بقيادة السعودية والإمارات، وعندما توجّه والده إلى المعسكر للاستفسار، قيل له إن ابنه اعتُقل بأمر من القوات الإماراتية التابعة للتحالف والمتواجدة في مطار الريان بالمكلا، وتم تسليمه إليها. بعد ذلك، لم تصدر أي معلومات رسمية أخرى.

لم يُعرض أحمد على جهة قضائية، ولم تُبلّغ أسرته بسبب احتجازه، ولم يُسمح لها بزيارته أو التواصل معه. مرّت الأسابيع ثم الشهور دون اتصال أو بيان رسمي. بقيت غرفته كما تركها، وملابسه في مكانها، فيما تحوّل الانتظار إلى جزءٍ يومي من حياة الأسرة.

بعد نحو عام، أفاد مفرج عنهم من مركز احتجاز مطار الريان بأنهم شاهدوا أحمد داخل زنزانة ضيقة، في حالة صحية متدهورة، وأكدوا تعرضه لسوء المعاملة. كانت تلك الشهادات غير الرسمية الأثر الوحيد الذي تمسكت به العائلة. ورغم ذلك، لم تعترف أي جهة رسميًّا باحتجازه، ولم تُقدَّم معلومات موثقة حول مصيره. وفي تصريح مقتضب منسوب إلى أحد الضباط الإماراتيين عند تواصل أسرته معه، ذُكر أنه أُفرج عنه بعد أسبوعين من احتجازه، دون تقديم ما يثبت ذلك أو يوضح مكان وجوده بعد الإفراج المزعوم.

منذ 9 مايو/ أيار 2019، الموافق 1440 هـ وحتى اليوم، 21 فبراير/ شباط 2026، الموافق الرابع من رمضان 1447ه مضت سبع سنوات كاملة، من الغياب الكامل لأحمد دون أن تعلم أسرته شيئًا عن مصيره أو مكان تواجده.

تمثل قضية أحمد حالة اختفاء قسري وفق المعايير الدولية، حيث أن يُحرم الشخص وفقًا لتعريف الاختفاء القسري من حريته على أيدي جهة مسلحة، ثم يُحجب مصيره أو يُنكر مكان وجوده، مما يحرمه من الحماية القانونية ويُبقي أسرته في دائرة قلق دائم وانتظار مفتوح.

وفي كل رمضان جديد، يعود الرابع من الشهر محمّلًا بالذكرى ذاتها، أذان ارتفع في السماء، وشابٌّ خرج إلى الصلاة ولم يعد، ومقعد ما يزال فارغًا على مائدة الإفطار.

على التحالف بقيادة السعودية والإمارات والتشكيلات التابعة لها في اليمن، الكشف عن مصير أحمد، وعن مصير المختفين قسريًّا لديها، والإفراج الفوري عنه وعن جميع المحتجزين تعسفيًّا لديها، وإغلاق مراكز الاحتجاز غير الرسمية، والتوقف عن انتهاكات التعذيب وغيره من ضروب المعاملة اللاإنسانية والمهينة، وتحديد المتورطين في جرائم الاختفاء القسري والتعذيب ومحاسبتهم، والانتصاف للضحايا وعائلاتهم وجبر ضررهم.