الوَفَيات والخسائر البشرية

الناجمة عن الغارات الجوية الأمريكية على المدنيين في اليمن (ديسمبر 2023 - مايو 2025)

الناشر
مواطنة لحقوق الانسان ومشروع تكاليف الحرب
تاريخ الإصدار
September 10, 2026
عدد الصفحات
61
بيان صحفي
September 10, 2026
دعت للتحقيق والمساءلة وجبر الضرر

الملخص التنفيذي

تتناول هذه الورقة البحثية التكلفة البشرية للعمليات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية في المناطق التي تسيطر عليها جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن خلال "عملية حارس الازدهار"، التي نُفذت خلال إدارة الرئيس جو بايدن في الفترة من 18 ديسمبر 2023 إلى 19 يناير 2025، و"عملية الراكب الخشن"، التي نُفذت خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب في الفترة من 15 مارس إلى 6 مايو 2025. وقد شُنّت هاتان العمليتان ردًّا على هجمات شنّتها جماعة أنصار الله (الحوثيين) على سفن وناقلات نفط في البحر الأحمر وخليج عدن، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتي استهدفت سفنًا مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانئها، بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي بدأت في 7 أكتوبر 2023 بدعمٍ مباشر من الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى الآثار الاقتصادية والنفسية والاجتماعية للهجمات الأمريكية، توثق هذه الورقة الخسائر في صفوف المدنيين، الناجمة عن 46 واقعة لغارات جوية أمريكية، وتسببت هذه الوقائع في سقوط ما لا يقل عن 576 ضحية من المدنيين (213 قتيلاً و363 جريحًا)، من بينهم 50 طفلاً و25 امرأة. كما أصابت هذه الغارات أعيانًا مدنية مثل المنازل والمتاجر والمزارع والأحياء السكنية والبنى التحتية؛ فقد تسببت الغارات الجوية الأمريكية في أضرار جسيمة للبنية التحتية المدنية والمرافق الحيوية، مما فاقم المعاناة الإنسانية للسكان المحليين باستهدافها مرافق الخدمات الأساسية، لا سيما في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من نقص حاد في المياه النظيفة والكهرباء والخدمات الصحية. ونظرًا للتدهور الاقتصادي في اليمن والوضع الإنساني الكارثي الناجم عن النزاع المسلح المستمر منذ سبتمبر/ أيلول 2014، فمن المرجح أن تكون الضربات الأمريكية قد وسّعت دائرة الفقر في اليمن من خلال زيادة البطالة ومضاعفة عدد الأسر التي فقدت معيليها ومصادر دخلها.

قارن الناجون وشهود العيان الهجمات الأمريكية في عمليتي "حارس الازدهار" و"الراكب الخشن" بضربات سابقة نفذها التحالف بقيادة السعودية والإمارات خلال عمليتي "عاصفة الحزم" و"إعادة الأمل" (مارس 2015 - أبريل 2022) على العديد من المواقع نفسها. وأفادوا بأن الضربات الأمريكية أسفرت عن خسائر بشرية مدنية أكبر من تلك الضربات السابقة، التي لاقت انتقادات دولية واسعة النطاق ودعوات للمساءلة.

من بين أكثر الآثار ديمومةً تلك الآثار طويلة الأمد للهجمات الأمريكية على المدنيين، التي تسببت في فقدان المعيلين إما بالموت أو الإصابة البالغة، وتدمير سبل العيش نتيجة تضرر أو تدمير المزارع والمتاجر والمصانع وورش العمل والمشاريع الصغيرة، حيث فقد مئات الضحايا المدنيين وظائفهم عندما دُمرت المنشآت الصناعية والحيوية، التي كانوا يعملون فيها، كليًّا أو جزئيًّا. وحتى بعد انتهاء العمليات الأمريكية في مايو/أيار 2025، لم يتمكن المتضررون من تأمين سبل العيش الكافية أو التغلب على الصعوبات الاقتصادية الشديدة الناجمة عن فقدان أعمالهم أو ممتلكاتهم. واضطرت الأسر المتضررة التي دُمرت منازلها أو أصبحت غير صالحة للسكن إلى الهجرة، أو السكن في منازل الأقارب، أو استئجار غرف أو متاجر صغيرة (معروفة محليًّا باسم "الدكاكين"، وهي مساحة تجارية صغيرة غير صالحة للسكن)، وواجهت صعوبات بالغة في إلحاق أطفالها بالمدارس. وتركت الضربات الأمريكية العديد من الأسر عاجزة عن توفير الرعاية الكافية لأطفالها. وتواجه الزوجات اللواتي فقدن أزواجهن حياة قاسية وانعدامًا حادًّا للأمن في مجتمع غير مُجهز لدعم الضحايا بسبب ظروفه الاقتصادية والمعيشية المتردية.

تشير البيانات الميدانية الواردة في هذه الورقة البحثية أيضًا إلى نزوح محدود للسكان في أعقاب بعض الضربات الأمريكية التي استهدفت مناطق بشكل متكرر ومكثف، وفي مناطق خشي سكانها من إعادة استهدافها بسبب قربها من مواقع عسكرية أو لاعتقادهم بانتماء عائلات قريبة منهم  إلى جماعة أنصار الله (الحوثيين). وقد أدت هذه الهجمات إلى تقويض الروابط المجتمعية، إذ بدأت المجتمعات تنظر إلى مناطق أو عائلات معينة على أنها أهداف موصومة، وتجنبت زيارتها أو الاقتراب منها خوفًا من استهدافها هي الأخرى. ويعاني العديد من الضحايا، ولا سيما الأطفال والنساء، من ضائقة نفسية شديدة، إذ تطاردهم مشاهد الرعب والخوف والدمار. ولا يزال الحصول على الدعم النفسي والاجتماعي والرعاية الطبية الكافية غائبًا إلى حد كبير.

وتُظهر الضربات الأمريكية سلسلة من انتهاكات القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الإخلال بمبدأ التناسب، والتقاعس عن اتخاذ الاحتياطات الممكنة للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين، وعدم احترام مبدأ التمييز، كما يتضح من الهجمات على البنية التحتية ومرافق الخدمات الأساسية وغيرها من الأعيان المدنية. وقد وُثِّقت هذه الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني في قائمة مفصلة في الملحق.

في غضون ذلك، أدى استمرار استهداف جماعة أنصار الله (الحوثيين) للسفن التجارية المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر إلى تفاقم معاناة الصيادين اليمنيين في بعض المناطق الساحلية؛ فقد حرمتهم المواجهات البحرية المستمرة والتحليق المتواصل للطائرات المسيَّرة من مصدر رزقهم الرئيسي - الصيد - مما أجبر الكثيرين على الامتناع عن الإبحار في قواربهم الصغيرة والبدائية، وتجنب المرور بجانب السفن خوفًا على سلامتهم.

تمحورت الاحتياجات التي عبّر عنها الضحايا المدنيون الذين أُجريت معهم مقابلات حول الرعاية الطبية العاجلة والمناسبة للجرحى، سواءً للإصابات الجسدية أو الصدمات النفسية، لا سيما أولئك الذين لا تزال الشظايا عالقة في أجسادهم، أو الذين لم يتلقوا أي علاج، أو الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية. كما يحتاج الضحايا إلى مساعدات إنسانية ونقدية عاجلة، وتعويضات مالية تتناسب مع حجم ونوع الضرر الذي لحق بهم وبأسرهم. وتحتاج الأسر المتضررة إلى تعويضات عن المنازل المتضررة جزئيًّا وإعادة بناء المنازل المدمرة، أو توفير مأوى مناسب وتعويض عن الأضرار التي لحقت بممتلكاتهم. ومن الواضح أيضًا أن المجتمعات المتضررة بحاجة إلى إعادة تأهيل وإعادة بناء مرافق الخدمات الأساسية المدمرة - كالمراكز الصحية وشبكات المياه والكهرباء - والحماية من المخاطر التي تشكلها مخلفات القنابل والذخائر المستخدمة في الغارات.