قضاء الأحداث في اليمن

واقع العدالة الجزائية ومتطلبات الإصلاح المؤسسي 2014-2026

الناشر
Mwatana for Human Rights
تاريخ الإصدار
August 13, 2026
عدد الصفحات
86
بيان صحفي
August 13, 2026
قضاء الأحداث في اليمن

الملخص التنفيذي

تتناول الورقة البحثية بالرصد والتحليل أوضاع قضاء الأحداث في اليمن خلال فترة النزاع (2014 – 2026) من حيث إطاره التشريعي وتكويناته المؤسسية والمشكلات والتحديات متعددة المصادر التي تؤثر على منظومة عدالة الأحداث في اليمن. وتركز الورقة على تحليل الممارسات القضائية الفعلية تجاه الأحداث الذين هم على تماس مع القانون من واقع تعامل جهات التقاضي ومؤسسات الرعاية والتأهيل مع نماذج لأحداث متهمين أو مدانين مرورًا بمراحل عملية التقاضي (ضبط وتحقيق ومحاكمة) ومرحلة تنفيذ التدابير القضائية بعد صدور الأحكام، للكشف عن نوع المخالفات والتجاوزات المصاحبة لإجراءات مساءلة الطفل الحدث، وأنماط الأفعال التي تشكل انتهاكًا لحقوقه، بهدف معرفة مدى فاعلية نظام الحماية القضائية والقانونية في مجال عدالة الأحداث ومظاهر قصوره الإجرائية والمؤسسية، وصولًا إلى تحديد الفجوة بين القانون والواقع، واستنتاج عوائق تطبيق القواعد والمعايير والإجراءات القانونية في مجال قضاء الأحداث، والخروج بمقترحات عملية تسهم في تحديد متطلبات واحتياجات الإصلاح المؤسسي لنظام قضاء الأحداث في اليمن وتطوير عدالة مستقبلية متخصصة.

واستندت الورقة إلى معلومات نوعية أدلى بها أحداث متهمون أو مدانون أو ذويهم أو محاموهم عن إجراءات المساءلة القانونية التي خضعوا لها أمام هيئات قضائية معنية بالتعامل مع قضايا الأحداث في محافظات صنعاء، وعدن، والحديدة، وحضرموت، وتعز، ومأرب، وإب، وذمار، وصعدة. إضافة إلى معلومات من مصادر متنوعة لفئات ذات علاقة أو اهتمام بعدالة الأحداث شملت قضاة وأعضاء نيابات أحداث وخبراء اجتماعيين، وأخصائيين ومسؤولي دور رعاية، وجهات رسمية ومنظمات مجتمع مدني معنية بقضايا الطفل. واستخدمت الورقة أداة المقابلة الفردية للحصول على المعلومات الميدانية من المصادر المشار إليها.

وعلى الرغم من توافق التشريعات اليمنية الخاصة بالأحداث مع الصكوك الدولية فيما يتعلق بالمعايير والقواعد والضمانات الأساسية المتعلقة بحقوق الأحداث ومعايير المحاكمة العادلة والمنصفة للحدث المتهم أو المدان، إلا أن هناك بعض جوانب الاختلاف بين التشريعات اليمنية والمعايير الدولية أبرزها الحد الأعلى لسن الحدث الذي يحدده القانون اليمني بخمسة عشر عامًا، خلافًا لقواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم التي تعرف الحدث بأنه كل شخص دون الثامنة عشرة من العمر. وانخفاض سن المسؤولية الجنائية للحدث في القانون اليمني (سبع سنوات). كما يغفل القانون اليمني حق الحدث في الاستعانة بمحام أو الحصول على مشورة قانونية فور القبض عليه، والحق في حضور أخصائي اجتماعي كشرط لصحة الاستدلالات.

وتتوزع منظومة عدالة الأحداث على عدد كبير من الجهات القضائية والاجتماعية والإدارية التي تحدد التشريعات اليمنية اختصاصاتها بوضوح، كمحاكم ونيابات وشرطة الأحداث ودور الرعاية والتوجيه وأقسام حماية الأسرة، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، واللجنة الفنية بوزارة العدل، ومكاتب إدارة الحالة، وإدارة الطفل بوزارة الداخلية، والإدارة العامة لحماية الأسرة وغيرها، ويتأثر قيام تلك الجهات بأدوارها القضائية والإصلاحية والتأهيلية بظروف النزاع السياسية والأمنية والاقتصادية، وبالأوضاع المؤسسية العامة، ومع أن تأثير تلك العوامل على عدالة الأحداث يتفاوت نسبيًّا من جهة إلى أخرى ويختلف باختلاف المحافظات وأحيانًا على مستوى المحافظة الواحدة، فإن الافتقار إلى بنية تحتية متكاملة لمنظومة عدالة الأحداث، وغياب البدائل المؤسسية، والنقص الحاد في الكادر المتخصص، ومحدودية التدريب الدوري المتخصص، وضعف الرقابة القضائية وانعدام المساءلة، ومحدودية التنسيق بين الجهات المعنية تعد قاسمًا مشتركًا وسِمة واقعية عامة لمنظومة عدالة الأحداث أثناء النزاع في مختلف المناطق اليمنية، الأمر الذي يحد قدرة منظومة عدالة الأحداث على تقديم عدالة منصفة وإنسانية. 

عمليًّا هناك فجوة واضحة بين القانون والواقع فيما يتعلق بحقوق الأحداث المتهمين أو المدانين والضمانات القانونية والإجرائية الخاصة بهم في جميع مراحل التقاضي، حيث تتعرض العديد من هذه الحقوق لتجاوزات ومخالفات إجرائية ولأفعال من شأنها أن تشكل انتهاكًا لقانون رعاية الأحداث ومنظومة التشريعات الوطنية والمعايير الدولية ذات الصلة. وطبقًا للعديد من المستجيبين الذين تمت مقابلتهم لإعداد هذه الورقة من قضاة وأعضاء نيابات أحداث وخبراء اجتماعيين ومحامين ومتخصصين بالخدمة الاجتماعية تتركز هذه الفجوة في المراحل الأولى من عملية التقاضي، وتحديدًا مرحلة الضبط وجمع الاستدلالات التي تقوم بها جهات ضبط غير مختصة في الغالب، وكذلك مرحلة تنفيذ الأحكام الصادرة عن القضاء (تدابير وعقوبات) حيث يظهر تحد رئيس مشترك في كلتا المرحلتين يتمثل في الافتقار شبه الكامل لبنية مؤسسية متخصصة ومهيأة للتعامل ضبطيًّا مع الحدث بما يتناسب مع وضعه وسنه وخصوصيته، واستقباله في دار رعاية قادرة على تحقيق الهدف الإصلاحي والتربوي للتدابير والأحكام القضائية الصادرة في حقهم. ومع أن مرحلتي التقاضي الأخيرتين (تحقيقات النيابة وإجراءات المحاكمة والحكم) مشوبة أيضًا بمخالفات إجرائية وتجاوزات في بعض الضمانات القانونية للحدث المتهم أو المدان فإن آراء المستجيبين توضح أن الممارسات القضائية خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة تظهر التزامًا نسبيًّا أكبر بالضمانات القانونية والإجرائية لحقوق الحدث مقارنة بمرحلتي الضبط والتنفيذ، مع مراعاة التفاوت في التطبيق من محافظة إلى أخرى وحتى داخل المحافظة الواحدة نفسها، وبصفة عامة تدعم نتائج تحليل مقابلات الأحداث والشواهد والحالات الميدانية التي وثقتها الدراسة آراء الخبراء والممارسين المستجيبين المشار إليها آنفًا.